>> فرضت الثورة الرقمية واقتصاد المنصات منطقًا جديدًا تجاوز حدود التكنولوجيا إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام نفسها.. اختفت تدريجيًا مفردات مثل «الرسالة» و«التنوير» و«الرأى العام» لتحل محلها كلمات أخرى مثل «المحتوى» و«المنتج أو السلعة» و«الحصة السوقية» و«المستهلك».. ولم يكن هذا التحول مجرد استبدال لمصطلحات بأخرى.. بل كان تعبيرًا عن انتقال الإعلام من فلسفة الخدمة العامة إلى فلسفة السوق، ومن الاهتمام بتأثير الرسالة إلى الاهتمام بسرعة انتشارها.
>> رغم تحفظى على هذا التحول، لأننى مازلت أؤمن بأن الإعلام رسالة وطنية قبل أن يكون صناعة اقتصادية، إلا أنه إذا كان العالم قد استقر على اعتبار الجمهور مستهلكًا، فمن الواجب أن نتعامل مع هذا المفهوم بكل استحقاقاته.
>> نتحدث كثيرًا عن تطوير الإعلام والمؤسسات، ونعقد المؤتمرات ونشكل اللجان، ونناقش التشريعات والتمويل والتكنولوجيا، لكننا نادرًا ما نتوقف أمام السؤال الأكثر أهمية، ماذا يريد الجمهور؟ وكيف يرى إعلامه؟ ولماذا يثق فى وسيلة إعلامية ويعرض عن أخرى؟
>> لقد طالعت عشرات الدراسات التى تناولت تطوير الإعلام والصحافة، واستعرضت معوقات الأداء، وقدمت مقترحات للإصلاح، وكلها جهود تستحق التقدير.. لكننى لم أجد دراسة، تقيس اتجاهات الجمهور، وتحلل درجة رضاه، وترصد أسباب ثقته أو انصرافه، وتحدد أولوياته الحقيقية.. وكأننا نضع خططًا للإصلاح دون أن نسأل الطرف الذى وجد الإعلام من أجله.
>> أرى أن البداية الحقيقية لأى مشروع جاد لتطوير الإعلام ليست فى إضافة منصة جديدة، ولا فى تحديث استديوهات البث، ولا فى إعادة هيكلة المؤسسات، وإنما فى إنشاء مرصد وطنى دائم لقياس اتجاهات الجمهور، ودراسة احتياجاته، وتحليل مستوى رضاه وثقته، ومتابعة التحولات الاجتماعية والثقافية بصورة مستمرة.. حتى تصبح سياساتنا الإعلامية مبنية على العلم لا على الاجتهاد.. وعلى الحقائق لا على الانطباعات.
>> مع انطلاق الجمهورية الجديدة، التى وضعت بناء الإنسان فى قلب مشروعها التنموى، فإن الإعلام مطالب بأن يطور أدوات فهمة للمجتمع بنفس القدر الذى يطور فيه أدواته التكنولوجية.. فالتقنية وحدها لا تصنع التأثير، والرسائل مهما بلغت كثافتها، لا تحقق غايتها إذا لم تصل إلى وجدان الناس وعقولهم.
>> إن معركة الجمهورية الجديدة ليست فقط اقتصادية أو سياسية ، وإنما هى أيضًا معركة وعى، والإعلام هو أحد أسلحتها الرئيسية.. ومن ثم فإن «رضا المستهلك» يجب أن يتحول إلى مؤشر علمى يقيس مدى نجاح الإعلام فى أداء رسالته الوطنية.. فالإعلام لا تُقاس قيمته بعدد الشاشات، ولا بحجم ما يقدمه من محتوى، ولا بنسب المشاهدة وإنما بقدر ما يرسخ من ثقة، ويبنى من وعى، ويصنع مواطنًا يدرك حقائق وطنه، وعندما نصل إلى هذه المرحلة، نكون قد انتقلنا بالفعل من تطوير أدوات الإعلام إلى تطوير فلسفة الإعلام نفسها.

ما وراء منشية ناصر!
«الثقافة حياة».. مشروع يستحق الانتشار!
فى عالم يبحث عن «مروحة»!!





