إذا جاز أن نضيف صفة إلى ثورة ٣٠ يونيو، فإن نعتها بـ «ثورة تصحيح حقيقية» من شأنه إنصافها، ووضعها حيث يجب أن تكون بين ثورات مصر، على الأقل الحديثة والمعاصرة، لقد كانت ثورة من قلب ثورة.
فى البدء كانت ثورة ٢٥ يناير، التى سرعان ما أُختطفت، فى ظل غياب قيادة أو تنظيم أو استراتيجية تؤمن مسارها، وتضمن إنجاز أهدافها، وسريعًا ـ أيضًا ـ تجمعت نذر الخلافات الجذرية بين من صعدوا فى غفلة من التاريخ إلى سدة الحكم، والسواد الأعظم من الشعب، بعد أن انحرف هؤلاء بوقاحة فجة، وغباء شديد عن أهداف الثورة، فتصوروا أن ثمة لحظة لابد أن يغتنموها لتسييد فكرهم المنحرف، وبناء نموذجهم المعوج، ومحاولة مصادرة إرادة شعب بأكمله لحساب جماعة مارقة!
كانت لحظة فارقة، فى ٣٠ يونيو حين اندفع الشعب بجميع مكوناته وتياراته وأجياله، لإنقاذ وطن من تهديد وجودى كاد يعصف بتاريخه وحاضره، وعيًا بأن القضية أعمق وأخطر من إسقاط نظام، أو الإطاحة بجماعة تصورت أنها أكبر من الوطن، بل إنها تمادت فأنكرت قيمته ومعناه!
الملايين التى خرجت يومذاك كانت ترجمة أمينة لضمير الوطن، بقدر ما دافعت به عن أحلامها، وطموحاتها فى استكمال مسيرة تم وأدها، فكان هذا الخروج الحاشد الرد العملى الوحيد لإعادة الثورة لمسارها، أى أن جوهر ما حدث فى ٣٠ يونيو تصحيح حقيقى لمجرى حركة التاريخ، فلا خيار آخر أمام المصريين فى مواجهة مشروع «الخوان المتأسلمين» الإرهابى، إلا الدفاع المستميت عن دولتهم الوطنية، وحماية هوية مجتمعهم، ومقاومة أى خطاب يمس ثوابتهم.
وهنا استدعى ما ذكرته ديباجة الدستور فى دقة وبلاغة، بإشارة إلى الحبل السُرى الذى ربط بين الثورتين، وأحسب أن الثانية اندلعت تصحيحًا حقيقيًا للأولى، فى إيجاز رائع تشير العبارة إلى أن «ثورة ٢٥ يناير ، ٣٠ يونيو، فريدة بين الثورات الكبرى فى تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التى قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة».
ثمة سؤال يفرض نفسه فى هذا السياق: هل كانت ثورة ٣٠ يونيو حتمية؟ نعم، هى كذلك دون أدنى شك، فى ظل مخطط للتسلط، من جانب من اختطفوا ٢٥ يناير، وتصاعد التناقض بينهم وبين السواد الأعظم من الشعب، ثم الوعى الوطنى الجارف بخطورة ما يشهده الوطن من تهديدات ومخاطر، وميل ميزان القوى لصالح الشعب، وحماية الجيش للإرادة الشعبية، وكذا مباركة الأزهر والكنيسة.
سؤال آخر: هل كانت ٣٠ يونيو تمتلك مشروعيتها؟ يقينًا نعم، فمن درس علم الثورة يعرف تمامًا أن الثورة ضد الحاكم المستبد، شأنها شأن الدفاع الشرعى عن النفس، ثم أن مشروعية الثورة تنبع من عدالتها، فالحرمان من مقاومة المستبد إقرار بمشروعية الاستبداد، الأمر الذى يتعارض مع المنطق، والأهم أن الأمة هى صاحبة السيادة، وحدها صاحبة الحق فى التغيير، وهو ما مارسه المصريون فى ٣٠ يونيو، تصحيحًا لانحرافات وتجاوزات ما كان ينبغى لها أن تبقى أو تستمر.
وفى المحصلة فإن ٣٠ يونيو ثورة تصحيح تتسق مع طبيعة الخط الصاعد لتاريخ شعب عظيم .

أول اختبار!
العدالة الثقافية
معركة النسيان





