بقلم/ مهند عدلي
خلال السنوات الأخيرة، تحولت الصادرات إلى أحد أهم الملفات على أجندة الاقتصاد المصري، وبينما تبحث الحكومة عن كل دولار إضافي لدعم موارد النقد الأجنبي، أصبحت أرقام الصادرات تتصدر البيانات الرسمية بصورة شبه شهرية، ومعها تتزايد الطموحات للوصول إلى 100 مليار دولار سنوياً.
والحقيقة أن ما تحقق بالفعل ليس قليلاً، فقد ارتفعت الصادرات المصرية غير البترولية إلى نحو 48.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 41.5 مليار دولار في العام السابق، بنمو بلغ 17%.
كما تراجع العجز التجاري غير البترولي لمصر بنسبة 9% خلال عام 2025، ليسجل 34.4 مليار دولار مقارنة بـ 37.8 مليار دولار في عام 2024، بعدما استعادت قطاعات تصديرية عديدة زخمها مستفيدة من تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تنافسية المنتج المصري في الأسواق الخارجية.
لكن وسط الاحتفاء الطبيعي بهذه الأرقام، يبرز سؤال أقل حضوراً في النقاش العام، رغم أنه ربما يكون الأهم: هل كل دولار نصدره يضيف دولاراً كاملاً للاقتصاد المصري؟
الإجابة ببساطة: لا.
ففي عالم الصناعة الحديث، لم تعد المنتجات تُصنع بالكامل داخل حدود دولة واحدة؛ الهاتف الذي يُباع في أوروبا قد يحمل مكونات من آسيا، والسيارة التي تُجمع في دولة قد تأتي أجزاؤها من عشر دول مختلفة، ومصر ليست استثناءً من هذه القاعدة.
تكشف هيكلية الصناعة المصرية أن نصيباً كبيراً من الصادرات يعتمد على خامات ومكونات وآلات مستوردة من الخارج، وتشير تقديرات إلى أن المكون المستورد في بعض الصناعات التصديرية قد يصل إلى نحو 60% من قيمة المنتج النهائي، أي أن القيمة المضافة المحلية الحقيقية - من عمالة وطاقة وخامات محلية وهامش ربح - لا تتجاوز في كثير من الأحيان 40%.
بمعنى آخر، إذا صدّرت مصر منتجاً بقيمة دولار واحد، وكانت ستين سنتاً من هذا الدولار تمثل خامات ومكونات وآلات مستوردة، فإن ما يظل داخل الاقتصاد لا يتجاوز أربعين سنتاً. هذا الجزء فقط هو الذي يتحول إلى أجور وعوائد استثمارية وأرباح محلية وقدرة إضافية على توليد الدولار مستقبلاً.
وتفسر بنية الواردات المصرية هذه المعادلة بوضوح؛ فالنسبة الأكبر من فاتورة الاستيراد لا تذهب إلى السلع الاستهلاكية النهائية كما يُعتقد أحياناً، بل إلى مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والآلات والمعدات. أي أن جزءاً كبيراً من كل دولار يتم الحصول عليه عبر التصدير يغادر الاقتصاد مجدداً لتمويل دورة إنتاج جديدة تعتمد بدرجات متفاوتة على الخارج.
لهذا السبب قد تبدو أرقام الصادرات أحياناً أكبر من أثرها الحقيقي على موارد النقد الأجنبي، فكل زيادة في الإنتاج التصديري تحتاج غالباً إلى زيادة موازية في استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة والآلات، ولذلك ليس مُستغرباً أن تستحوذ مدخلات الإنتاج وحدها على أكثر من 70% من فاتورة الواردات المصرية.
من هذا المنظور، لا تبدو معركة زيادة الصادرات كافية بمفردها لتحقيق التحول المنشود في ميزان المدفوعات أو في قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في تصدير المزيد فقط، بل في الاحتفاظ بجزء أكبر من عوائد التصدير داخل الاقتصاد المحلي، ولم يعد مجرد زيادة عدد الحاويات التي تغادر الموانئ المصرية، بل زيادة القيمة التي تبقى داخل مصر من كل حاوية تغادرها.
الدول التي نجحت في تحقيق قفزات تصديرية كبرى لم تعتمد فقط على زيادة الكميات المصدرة، بل على بناء سلاسل إنتاج محلية متكاملة، والصين لم تصبح قوة تصديرية لأنها تبيع أكثر فقط، وإنما لأنها تنتج نسبة متزايدة من المكونات والمواد والآلات داخل حدودها. والأمر نفسه ينطبق على تجارب مثل تركيا وفيتنام والمغرب.
وهنا تنتقل القضية من سياسات دعم الصادرات إلى سياسات تعميق التصنيع، فكل نقطة مئوية إضافية في المكوّن المحلي تعني أن جزءاً أكبر من الدولار المتولد من التصدير يبقى داخل البلاد بدلاً من أن يعود إلى الموردين الأجانب، كما تعني فرص عمل إضافية، وسلاسل توريد محلية أكثر عمقاً، وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات الخارجية وتقلبات سعر الصرف.
بالنسبة لمصر، فإن الخطوة التالية تبدو واضحة، فبعد النجاح في زيادة الصادرات، أصبح التحدي الأكبر هو تعميق التصنيع المحلي، أي زيادة نسبة المكون المصري داخل السلع المصدرة، وتوسيع قاعدة الصناعات المغذية، وتحويل الخامات المحلية إلى منتجات نهائية بدلاً من تصديرها في صورتها الأولية.
وتترجم هذه الرؤية إلى أدوات واضحة قابلة للتنفيذ: ربط حوافز التصدير ودعمه بنسبة المكوّن المحلي، بحيث ينال المنتج الأعلى محتوىً محلياً النصيب الأكبر؛ وتوجيه برامج تعميق التصنيع المحلي نحو بناء قاعدة من المورّدين المحليين للمكوّنات الوسيطة التي نستوردها اليوم؛ وتقديم تيسيرات ضريبية وتمويلية للمصانع التي تستبدل مكوّناً مستورداً بآخر محلي مكافئ في الجودة؛ وإعطاء أولوية صريحة لتصنيع الخامات داخلياً على تصديرها أولية.
فمصر لا تفتقر إلى المواد الخام. من الثروات التعدينية إلى المنتجات الزراعية، هناك قائمة طويلة من الخامات التي تغادر البلاد بقيم محدودة ثم تعود إلينا بعد التصنيع بأسعار أعلى عدة مرات، وكل مرحلة تصنيع إضافية تتم داخل مصر تعني وظائف جديدة، وقيمة مضافة أكبر، ودولارات أكثر تبقى داخل الاقتصاد.
لهذا ربما حان الوقت لتغيير طريقة قياس النجاح.
بدلاً من السؤال: كم صدّرنا هذا العام؟
قد يكون السؤال الأهم: كم احتفظنا من حصيلة هذه الصادرات داخل الاقتصاد المصري؟
في النهاية، الهدف ليس فقط الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات، بل الوصول إلى أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة المحلية داخل هذه الصادرات.. فالمعركة الحقيقية ليست معركة تصدير أكثر، وإنما معركة ربح أكثر من كل دولار يتم تصديره.

«طلعت مصطفى» تواصل الاستثمار في العقول.. دعم جديد لفريق جامعة الإسكندرية للمنافسة إقليميًا في الروبوتات البحرية
بقيادة اللواء طيار وائل النشار.. مطار شرم الشيخ الدولي يواصل صناعة التميز ويرتقي بخدماته إلى المعايير العالمية
علي العمودي: منصات التواصل الاجتماعي تمثل فرصة كبيرة لنشر الأفكار الإيجابية





