يوميات الاخبار

العفريت والكمسارى !

سعيد الخولى
سعيد الخولى


«لقد كان الكمسارى فى تعامله مع الركاب وتفاعله معهم ومبادلتهم الحوار والسجال مثل فاترينة عرض حقيقية لشخصية الإنسان المصرى فى معاناته وكيف يقابلها بالنكتة والضحك» .

ونبدأ الحدوتة مع ما ذكره على باشا مبارك فى كتابه «الخطط التوفيقية» من أنه فى عام 1882 بلغ عدد المشتغلين بحرفة النقل والحمّارة بالقاهرة 1713 شخصًا، فحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت الحمير وعربات «الكارو» الخشبية، وسيلة المواصلات الرئيسة لعامة الشعب، بينما كان الحنطور الذى تجره الخيل أو البغال هو وسيلة الطبقات الأعلى للتنقل.

العفريت فى شوارع القاهرة

وفى عام 1875 ظهر منافس قوى للحمير وعربات الكارو، عندما أسس المالى اليهودى الشهير «روفائيل سوارس» مع اثنين من أشقائه شركة للنقل البرى فى القاهرة؛ عبارة عن عربات تجرها البغال والخيول لنقل الركاب بين الحوارى والأزقة الضيقة، واصطلح الناس على تسميتها «سوارس» نسبة إلى أصحابها. حتى ظهر العفريت الكهربائى فى أول أغسطس 1896 فى رحلته التجريبية الأولى من بولاق للقلعة. ولم يكن ذلك العفريت الكهربائى سوى الترام الذى اشتهر بين المصريين باسم «الترماى». ودفاعًا عن وسيلتهم التى بدأ النسيان يتسرب إليها ـ روّج أصحاب الحمير الشائعات بأن الترام يصيب النساء بالعقم! وفى 12 أغسطس من نفس العام كان التشغيل الرسمى للعفريت ـ أقصد الترام ـ وظلت دولة الترام هى الحاضرة بقوة فى شوارع المحروسة حتى دالت وانتهى أمرها منذ سنوات قليلة ماضية بعدما صار الزحام فى الشوارع وفى وسائل المواصلات لا يحتمل وجود الترام بإيقاعه الرتيب وأعطاله الكثيرة، وبعدما تحول العفريت سابقًا إلى العاجز وسط سباق السرعة العصرى!

الكمساريات الفاتنات

وتتحرك بنا قافلة المواصلات فى مصر المحروسة لنصل إلى أكثرها عددًا وأطولها عمرًا حتى وقتنا الحالى؛ ففى بدايات القرن العشرين كان يكفى أن يحصل أى شخص على رخصة بتسيير سيارة عامة من قلم المرور ليصبح صاحب «أتوبيس» (حافلة)، حتى قررت الحكومة عام 1929 التدخل لتنظيم هذا المرفق.

وفازت شركة «ثورنيكروفت» بامتياز تشغيل 17 خط حافلة، وشركة السيارات الأهلية بخط واحد حتى عام 1942 وامتد لعام 1947، ليصبح عدد الحافلات العاملة فى القاهرة 220 حافلة تنقل 15 ألف راكب يوميًا. وخلال السنوات اللاحقة زيدت الخطوط والمركبات لتصل إلى 300 حافلة عام 1951. لكن تدهورت خدمات النقل بالحافلات، وبحلول عام 1954 طلبت الحكومة المصرية من رجل الأعمال عبد اللطيف أبو رجيلة تولى مسئولية «أتوبيس القاهرة». وخلال عامين أصبح لدى خطوط القاهرة 400 حافلة تعمل بكفاءة وانضباط، وتنقل 13 مليون راكب شهريًا، وصار أهل العاصمة يلقبونها بـ «أتوبيسات أبو رجيلة».

ووصلنا إلى عام 1961،حيث أمّم الرئيس جمال عبد الناصر شركة أبو رجيلة، وأنشأ هيئة النقل العام بالقاهرة عام 1966، لتنتهى حقبة حافلات النقل الخاص، وتحتكر الدولة شركات النقل الجماعى. ومن هنا نستعيد معًا ما عاصرناه من رحلة بطل الحكاية محصل أجرة الركوب فى الترام والأتوبيس، والمعروف شيوعًا بلقب «الكمسارى»، تلك الشخصية التى حملت على أكتافها عبء التعامل مع الركاب، ولكثرة ما شاع من حكايات حول هذه الوظيفة تناولتها السينما فى عدة أعمال شهيرة، وكان أول ظهور سينمائى لها فى فيلم «المعلم بحبح» سنة 1932 مع فؤاد الجزايرلى بدور الكمسارى الطيب. ثم كانت أفلام: «لسانك حصانك» 1953، «حياة أو موت» 1954، و»الكمساريات الفاتنات» لإسماعيل ياسين عام 1957والذى شارك فى إنتاجه عبد اللطيف أبو رجيلة - الملقب بـ «إمبراطور الأتوبيس» - الذى كان أول من عيّن سيدات فى وظيفة «الكمسارى» (محصل التذاكر)، وللدعاية لشركته شارك فى إنتاج هذا الفيلم وكانت أول كمسارية أنثى فى مصر اسمها عايدة محمد المغاورى، طالبة تجارة جامعة القاهرة. وعينت سنة 1956 براتب 10 جنيهات و80 قرشًا وعمولة!.

تذاكر.. ورق يا حضرات

هكذا كانت جملته الشهيرة وهو يجوب الحافلة من أولها لآخرها جيئة وذهابًا، ويردفها بقوله: مين اللى ماخدش تذكرة، أو يقول: اللى معاه تذكرة يحضرها المفتش ركب العربية..

الكمسارى.. النموذج الإنسانى الوظيفى الفريد فى مهنته وفى امتزاجه بالناس راكبى الحافلة، كثيرًا ما كان يضطر لمساعدة راكبة تحمل طفلها وشنطة الخضار، أو تحمل رضيعًا وتجر صغيرًا أو صغيرة تركب بهما سلالم الأتوبيس الخلفية. وأحيانًا تكون فلاحة تنتقل ببضاعتها البسيطة من جبن وسمن نزلت بها من القطار متوجهة لأحد أحياء العاصمة لتبيعها، فيمد صاحبنا يديه يحمل عنها صينية الجبنة أو أكياس الزبد والسمن حتى تركب. هذا فضلًا عن حكاياته ومساجلاته مع الركاب بين هزار ومناكفة وتنكيت أو حتى تبكيت إذا ما لزم الأمر، يعرف من يركبون معه من أى محطة وفى أى محطة ينزلون، يناديهم بالاسم ويردون بالتحية، يسأل عن أحوال الأولاد فيرد الراكب بنشرة أخبار بيته وحاله مع الدنيا. وكم كانت حواديت الكمسارى وخناقاته أحيانًا مع الركاب كلما احتدمت أزمة الفكة وباقى ثمن التذكرة منذ كانت بقروش واضطرت وزارة المالية وقتها ـ منذ أكثر من ثلاثين عامًا ـ أن تطرح «ماركات» معدنية بديلًا للقروش تمكن الراكب من الركوب بها فى أتوبيس آخر. ثم صارت بأجزاء من الجنيه ثم بجنيه ثم بضعة جنيهات ثم جنيهات من ذات الورقة الواحدة، خمسة أو عشرة وأخيرًا عشرين. هو نسيج مصرى خالص فيه كل ما فى جينات المصرى من تركيبة إنسانية فريدة.

عاصرته وهو فى التروللى والترام ذى «السنجة» التى كانت تسرى فيها الحرارة ويسير بها التروللى والترام، وكم من مواقف تعطلت فيها عربات فى وسط الطريق فوق قضبانه بسبب لهو صبى عابث بالسنجة الخلفية فيقطع الحرارة، أو تنقطع الحرارة من نفسها فيتعطل الترام براكبيه ويكون على الكمسارى دور المنقذ وإصلاح العطل، وأحيانًا كان الأمر يقتضى صعوده لسطح الترام بحثًا عن العطل! ولذلك كان الترام البطيء كثير الأعطال قليل الركاب إلا من كبار السن أو محبى الفسحة!

وعاصرته فى الأتوبيس وهو جوّال فى الحافلة بلا مقعد يحمل تذاكره متعددة الألوان والأسعار ما بين تذكرة كاملة إلى نصف تذكرة، وهو يمسك بالقلم الكوبيا الأزرق ينقر به فوق التذاكر المثبتة على قاعدة من البلاستيك أو الخشب، ينقر بقلمه قائلًا: ورق ورق، يتفلت بين الركاب والزحام من بداية الحافلة إلى نهايتها ليتمم على من ليس معه تذكرة، ولا يكاد يجد مكانًا يجلس فوقه حتى نهاية الرحلة. وعاصرته بعدها وقد تم تصميم مقعد له بجوار باب الركوب كما عاصرناه جميعًا فى السنوات القريبة الماضية منذ قرابة الثلاثين عامًا، وقد وجد لجسده مكانًا للراحة فيذهب الراكب إليه بدلًا من العكس، ولا يعدم الأمر انتقاله لراكب انسل من الباب الأمامى خلال نزول راكبين آخرين، فيذهب صاحبنا لئلا يغافله من ركب فيتعرض لعقاب من المفتش أو تقل غلته من تحصيل التذاكر.

ويسدل الستار بالنهاية

لقد كان الكمسارى فى تعامله مع الركاب وتفاعله معهم ومبادلتهم الحوار والسجال مثل فاترينة عرض حقيقية لشخصية الإنسان المصرى فى معاناته وكيف يقابلها بالنكتة والضحك، ولذلك فقد تناولته السينما فى أعمال عديدة سواء كمحصل فى الترام أو فى الأتوبيس، وتسجل ذاكرة السينما عدة أفلام على مدار أكثر من سبعين سنة، ظهرت فيها شخصية الكمسارى، نتذكر معًا منها:

- سواق الأتوبيس 1982 ـ لمعى القط 2017 ـ إحنا بتوع الأتوبيس 1979 - لسانك حصانك 1953 - حياة أو موت 1954 - الناس اللى تحت 1960 - المحفظة معايا 1978 - لا من شاف ولا من درى 1983 - دموع فى ليلة الزفاف 1981 - واحد صفر 2009.

وككثير من المهن وبحكم التطور وعوامل كثيرة فإن هذا العام 2026 سيسدل الستار مع ختامه بكلمة النهاية لوظيفة اسمها «الكمسارى» وتذكرته الورقية الشهيرة مع قرار هيئة النقل العام الاعتماد على التذكرة المميكنة وإلغاء التذكرة الورقية التقليدية بالكامل خلال عامنا هذا على حساب وظائف شكلت نماذج إنسانية وتستغنى عنها التكنولوجيا وتستعيض عنها ببساطة فيزيد إيقاع «الأتمتة» ويخفت رويدًا رويدًا إيقاع «الأنسنة». ومع كل حلول للتكنولوجيا بديلًا لكائن من لحم ودم لا مناص من مسايرة العصر ومهادنة مقتضياته.

نعم لن تجد من يقول لك «حمدلله على السلامة» عندما تصل محطتك، ولن تجد من يرق قلبه لك وأنت تريد الركوب والسائق يهم بالتحرك، فيقول للسائق «هدى شوية يا عم أشرف» ـ لكن الحصيلة أننا فى عصر تحكمه التكنولوجيا والرقمنة، وتصير علاقة الناس ببعضهم وبالآلة محكومة بهما، ولا يبقى من إيقاع الماضى إلا ذكرياته، ومن يفضل التخلف عن إيقاع العصر فلا يلومن إلا نفسه .