لم تقتصر تداعيات مرحلة ما قبل ثورة 30 يونيو على الجوانب السياسية والأمنية، بل امتدت إلى ملفات الهوية والتراث الثقافي، باعتبارهما من ركائز الشخصية المصرية.
ويطرح هذا الملف تساؤلات حول تأثير الأفكار المتشددة على التعامل مع الآثار والمواقع التاريخية، وكيف انعكس ذلك على سياسات حماية التراث.
وفي هذا السياق، استعرض خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان رؤيته لما شهده قطاع الآثار خلال فترة حكم جماعة الإخوان الإرهابية، متناولًا ما وصفه بتداعيات الفكر المتشدد على المواقع الأثرية والمتاحف، ودور الدولة لاحقًا في تعزيز حماية التراث عبر التشريعات وجهود الترميم والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية.

◄ ممارسات أضرت بالمواقع الأثري
«ريحان» أشار إلى أن تلك المرحلة شهدت - بحسب قوله - انتشار أفكار وممارسات أضرت بالمواقع الأثرية والمتاحف، إلى جانب ترويج مفاهيم وصفها بالمضللة بشأن التعامل مع الآثار والتراث الحضاري.
وأكد أن ذكرى ثورة 30 يونيو تمثل مناسبة لاستعادة التحديات التي واجهت الدولة المصرية في مختلف القطاعات، ومن بينها قطاع الآثار، مشيرًا إلى أن فترة حكم جماعة الإخوان شهدت ـ وفقًا لتقييمه ـ انتشار أفكار وممارسات كان لها تأثير سلبي على التراث الحضاري المصري.
اقرأ ايضا| ملحمة بناء.. كيف أعادت ثورة 30 يونيو إحياء المتحف المصري الكبير؟
وأوضح أن من أبرز هذه المظاهر انتشار عمليات الحفر خلسة للبحث عن الآثار بصورة كبيرة، خاصة عقب عام 2011، مستندة إلى فتاوى واجتهادات غير متخصصة اعتبرت الآثار من "الركاز"، وهو ما دفع العديد من المواطنين، بحسب قوله، إلى الوقوع ضحية لشبكات الاتجار غير المشروع بالآثار.

◄ تدمير متحف ملوي
وأشار إلى أن التفسير العلمي والفقهي لمفهوم "الركاز" لا ينطبق على الآثار المصرية، نظرًا لأن الآثار تشمل مقتنيات متنوعة تنتمي إلى مختلف العصور التاريخية، بما فيها العصور الإسلامية، مؤكدًا أن العديد من علماء الدين حذروا من عمليات التنقيب غير الشرعية وما يرتبط بها من ممارسات كالشعوذة والاستعانة بالدجالين.
وأضاف ريحان أن هذه الأفكار انعكست، بحسب وصفه، على بعض الاعتداءات التي تعرضت لها المؤسسات الأثرية خلال تلك الفترة، مستشهدًا بما تعرض له متحف ملوي بمحافظة المنيا في أغسطس 2013، عندما تعرض لهجوم أدى إلى سرقة وتدمير عدد كبير من مقتنياته، قبل أن تتم إعادة افتتاحه بعد أعمال ترميم واسعة استمرت لعدة سنوات.

كما أشار إلى محاولات الاعتداء على عدد من المواقع والمتاحف الأخرى، من بينها متحف روميل بمرسى مطروح ومتحف ومخازن البهنسة بمحافظة المنيا، مؤكدًا أن تدخل العاملين بالآثار والأهالي ساهم في حماية هذه المواقع.
◄ تأثر متحف الفن الإسلامي بتفجير إرهابي
وتطرق ريحان إلى حادث التفجير الذي استهدف مديرية أمن القاهرة في يناير 2014، والذي تسبب في أضرار جسيمة بمتحف الفن الإسلامي، مشيرًا إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها فرق الترميم المصرية لإعادة تأهيل وترميم القطع الأثرية المتضررة وإعادة افتتاح المتحف.
وأوضح أن بعض المواقع الأثرية تعرضت، خلال تلك الفترة، لتعديات واستخدامات غير متوافقة مع طبيعتها التاريخية، مستشهدًا بحوادث طالت مواقع أثرية في القاهرة ومحافظات أخرى، منها منطقة آثار أون الأثرية وتل العمارنة، والتي قال إنها شهدت تعديات أثارت اعتراضات واسعة من المتخصصين والمهتمين بالتراث.

وأضاف أن بعض الأصوات طرحت آنذاك أفكارًا تتعلق بإعادة دفن المومياوات المصرية أو التعامل مع الآثار باعتبارها أصنامًا، وهي الأفكار التي واجهت، بحسب قوله، رفضًا واسعًا من علماء الآثار والباحثين، الذين أكدوا القيمة الحضارية والإنسانية للتراث المصري.
◄ تعديلات دستورية لحماية الآثار
وفي السياق الدستوري، أشار ريحان إلى أن دستور عام 2012 تناول ملف الآثار ضمن مادة واحدة إلى جانب عناصر بيئية وطبيعية أخرى، وهو ما أثار انتقادات عدد من الأثريين آنذاك، بينما شهد دستور عام 2014، بحسب قوله، توسعًا أكبر في النصوص المتعلقة بحماية التراث والهوية الثقافية المصرية.

وأكد أن المادة (50) من دستور 2014 نصت على اعتبار التراث الحضاري والثقافي المصري، المادي وغير المادي، ثروة قومية وإنسانية تلتزم الدولة بالحفاظ عليها وصيانتها، مع تجريم الاعتداء عليها، كما نصت المادة (47) على التزام الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة.
واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن الحفاظ على الآثار والتراث يمثل مسؤولية وطنية وإنسانية، وأن حماية الهوية الحضارية المصرية تتطلب استمرار جهود التوعية والحفاظ على المواقع الأثرية باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر وتراثها الممتد عبر آلاف السنين.

من الجامعات إلى الجينوم.. إنجازات علمية تعكس نهضة ما بعد 30 يونيو
حوار| إيمان كريم: نقلة نوعية في ملف الأشخاص ذوي الإعاقة بعد ثورة 30 يونيو
تحليل سياسي.. كيف أفشلت 30 يونيو مخططات الميليشيات الموازية؟





