فى حياة الأمم والشعوب محطاتٌ فارقة تشكّل نقطة تحول جذرى فى مسارها التاريخى والتنموى. وفى تاريخ مصر الحديث، يمكن وصف ما حدث بعد 30 يونيو 2013 التى تعد حدثا فارقا ونقطة تحول فى تاريخ مصر الحديثة خاصة انه خلال الفترة من 2014 إلى 2025 تعد مرحلة تأسيس اقتصاد جديد قائم على بناء البنية الأساسية و إعادة اكتشاف للدولة المصرية، حيث انتقلت الأولوية من معالجة الأزمات قصيرة الأجل إلى بناء أصول استراتيجية طويلة الأجل تشمل الطرق والطاقة والمدن الجديدة والموانئ والرقمنة والصناعة..
وتظل ثوره يونيو 2013 تمثل هذه اللحظة الوجودية إذ لم يكن التساؤل المطروح آنذاك يتعلق بمعدلات النمو الاقتصادى، أو نسب جذب الاستثمارات الأجنبية أو كم مستشفى و مدرسة تم بناؤها بل كان سؤالاً مصيرياً وحرجاً: هل تملك الدولة من العملة الصعبة ما يكفى لاستيراد القمح والوقود للأسابيع المقبلة؟ هل تقدر الدولة على سداد التزاماتها الداخلية و الخارجية خاصة وأن صندوق النقد الدولى أصدر تقريره فى مارس 2013 برفض طلب مصر بالحصول على قرض قدره 4٫8 مليار دولار.
كان الاحتياطى النقدى الأجنبى فى حدود 13.5 مليار دولار فى أبريل 2013، أى دون مستوى تغطية ثلاثة أشهر من الواردات السلعية الأساسية، وهو خطر و إنذار مالى شديد.. ومن هذه النقطة بالذات - حافة أزمة سيولة وتفكك مفاصل الدولة لا مجرد تباطؤ عابر - ينبغى أن يبدأ أى تقييم منصف؛ فالمسافة لا تُقاس من خط انطلاق مثالى، بل من القاع الفعلى المزدوج (مالياً وطاقياً) الذى وقفت عليه البلاد.
وتزداد دلالة هذه المسافة حين نتذكّر أن الفترة التالية ل يونيو 2013 لم يكن هادئاً يسمح بإصلاح متأن بل كان سلسلة متصلة من الصدمات الداخلية و الخارجية النادرة فى تتابعها وعنفها: فبداية من الارهاب اللعين الذى اجتاح سيناء و امتد لمناطق عديدة فى مصر..
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 فى عام 2020 واضطراب سلاسل الإمداد، مروراً بالحرب الروسية - الأوكرانية وصدمة الغذاء والطاقة، وصولاً إلى حرب غزة وأزمة البحر الأحمر التى ضربت حركة الملاحة فى قناة السويس، وانتهاءً بتوترات مضيق هرمز الجيوسياسية عام 2026. و لا يجب ان ننسى أزمة سد النهضة و العجز المائى.
النقل.. 174 ألف كم طرق ونهاية ملف العشوائيات
ثورة اللوجستيات الكبرى التى حوّلت الجغرافيا إلى ممرات تجارية دولية لعقود طويلة، لم يكن يُنشأ فى مصر سوى نحو 1000 كيلومتر من الطرق سنوياً، فتراكمت فجوة البنية التحتية الخانقة و اقتحمت الدولة هذا الملف بتوسع حيث تم رفع الشبكة القومية للطرق إلى نحو 174٫800 كيلومتر (منها 144٫300 كم طرق و محاور ممهدة ومطورة وفق أعلى المعايير) مع إنشاء وتطوير نحو 44٫928 كوبرى ومنشأة نفقية مع الأخذ فى الاعتبار ان عدد الكبارى والجسور فى مصر حتى 30 يونيو 2013 لم تتجاوز 1560 كوبرى وجسر فقط. لكن الأعمق من الأرقام هو تغيّر «المنطق»: الانتقال من مجرد ردم الفجوة المرورية إلى بناء مَمَرّات لوجستية دولية متكاملة تربط الموانئ بالداخل وبالمناطق الصناعية والمدن الجديدة.
يتجسد ذلك فى القطار الكهربائى السريع الموصوف بـ«قناة السويس على قضبان» حيث يمتد الخط الأخضر الأول الرابط بين العين السخنة على البحر الأحمر والإسكندرية ومطروح على المتوسط لنحو 660 كم، ضمن شبكة مستهدفة من ثلاثة خطوط بطول 2000 كم وأكثر من 60 محطة بحلول 2027 تنفّذها شركة سيمنس.
وتكاملت هذه الطفرة مع إدخال وسائل النقل الذكى المستدام لأول مرة، مثل المونوريل (بخطيه شرق وغرب النيل، حيث دخل خط شرق النيل العاصمة الإدارية الخدمة مطلع 2026 بطول 56.5 كم)، وحافلات الترددى السريع (BRT) على الطريق الدائري، والخط الرابع للمترو علاوة على تطوير 18 ميناءً بحرياً بطاقة استيعابية بلغت 270 مليون طن. ونتيجة لهذه الاستثمارات، قفز ناتج قطاع النقل بنسبة 61% إلى نحو 1.025 تريليون جنيه فى السنة المالية 2024/2025، ليسهم بنحو 6% من الناتج المحلى الإجمالى.
كما يعد من أهم التحديات التى كانت تواجه الدولة المصرية ونجحت مصر فيها بشكل كبير حيث كانت تمثل العشوائيات خطر حقيقى وتحالف للجهل والفقر والمرض.
الزراعة .. الأمن الغذائى أولوية
بعد أن تآكلت الرقعة الزراعية فى مصر خاصة خلال الفترة من 2011 و حتى 2013 إلى أقل من 8.5 مليون فدان فقط بسبب البناء على الاراضى الزراعية وتجريف الأراضى نتيجة الاضطرابات السياسية وعدم توافر الأمن ومع الزيادة السكانية أصبح الأمن الغذائى معركة لاسيما بعد أن كشفت صدمتا كورونا وأوكرانيا هشاشة الاعتماد المفرط على استيراد الغذاء عالمياً واتجهت الدولة إلى مشاريع استصلاح أفقى ضخمة لتقليص فاتورة استيراد المحاصيل الاستراتيجية.
يقود هذا التوجه مشروع «الدلتا الجديدة» المستهدف استصلاح نحو 2.2 مليون فدان (ما يعادل قرابة 15% من الرقعة الزراعية القائمة). ويمثل مشروع «مستقبل مصر» النواة الصلبة لهذا التوجه،
حيث زُرع منه نحو 750 ألف فدان باستخدام التكنولوجيا الزراعية ونحو 2600 جهاز رى محورى مطوّر تُزرع مرتين سنوياً. ويستهدف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة زراعة نحو 4.5 مليون فدان بحلول 2027 تمتد من الدلتا الجديدة إلى المنيا وبنى سويف والفيوم وأسوان وتوشكى الخير، وتنمية وسط وشمال سيناء (نحو 456 ألف فدان) والريف المصرى وأراضى توشكى التى تتجاوز 1.1مليون فدان.
الصناعة.. توطين التكنولوجيا لتحقيق التنمية
الصناعة هى أحد الأعمدة الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة و هو يطلق عليه عمود الخيمة فهو القطاع الذى يساعد على توفير فرص العمل و زيادة الصادرات و تقليل فاتورة الاستيراد و قد قامت مصر ببناء اكثر من 17 مجمع صناعى و 3 مدن صناعية وجذب العديد من الاستثمارات الصناعية و تمثل مساهمة القطاع 17.5% من الناتج المحلى الاجمالى فى عام 2025 بعد ان كانت 11%خلال عام 2013 و يمكن القول بأن هناك طفرة فى التصنيع المحلى وتدفق الشباك الواحد فى اقتصادية قناة السويس.
على جبهة التصنيع، اتخذت الدولة خطوات جادة لتعميق المكون المحلى، فتحولت مصر بحلول عام 2025-2026 إلى مركز إقليمى لتصنيع وتجميع الهواتف المحمولة بوجود 14 مصنعاً أنتجت نحو 10 ملايين وحدة (مقابل 3.3 مليون فى 2024)، فى خطوة تحوّل جزءاً من فاتورة الاستيراد إلى إنتاج محلى.
السياحة..تسترد عافيتها
لاشك أن قطاع السياحة يعد من أهم القطاعات التى ساهمت فى النمو الاقتصادى و تجاوزت عوائد قطاع السياحة إلى 20 مليار دولار فى نهاية عام 2025 مع توافد أكثر من 19.5 مليون سائح إلى مصر خلال 2025 و قد اهتمت الدولة المصرية بهذا القطاع.
حيث تستهدف الدولة المصرية زيادة أعداد السائحين الى 30 مليون سائح سنويا على عام 2030 وتحقيق ايرادات 45 مليار دولار سنويا، وبالتالى فإن اهتمام الدولة بالاستثمار السياحى هو أولى خطوات تحقيق هذه الاهداف، فالتوسع فى الطاقة الاستيعابية للمقاصد السياحية للوصول إلى الأعداد المستهدفة وزيادة الطاقة الاستيعابية للمطارات فى المحافظات السياحية،
وفتح خطوط طيران جديدة، وزيادة دور القطاع الخاص فى عملية استقبال السائحين. ولتحقيق استراتيجية الوصول إلى 30 مليون سائح يجب الوصول إلى نحو 500 ألف غرفة و تمتلك منهم مصر حالياً ما يقرب من 245 ألف غرفة فندقية حتى بواقع 1201 منشأة فندقية منها 261 عائمة، 235 صديقة للبيئة وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار الرسمى.
كاريكاتير| حالة طلاق كل ١٢٠ ثانية !
بروفة للثورة| اعتصام المثقفين.. رقصة الموت الأخيرة للهوية المزيفة
برّ الأمان| وطن مستقر ومواطن مكرّم.. ثنائية الحزم والعدالة فى عقيدة «الداخلية»





