لم تكن ثورة 30 يونيو العظيمة مجرد غضبة شعبية أطاحت بنظام ظلامى وصل إلى السلطة فى لحظة «غفلة»، أو حراكا سياسيا لتصحيح مسار أرادت زمرة التنظيم الإرهابى ودراويشهم من أنصار الدجل السياسى أن ينحرفوا به نحو أغراضهم الخبيثة، بل كانت تلك الثورة «لحظة الوعى الأكبر» فى تاريخ مصر الحديث، وانتفاضة وطنية هائلة التأثير لإنقاذ روح الأمة من براثن الاختطاف وأوهام التشويه وطمس الهوية.
فى تلك الساعات الفارقة، تجلت عبقرية الشخصية المصرية، وخرج الملايين مدفوعين بوعى فطرى جارف ملتفين بعلم بلدهم ومتحصنين بانتمائهم الأسطورى لتلك الأرض الخالدة، ليعلنوا للعالم أجمع أن مصر التى علمت البشرية فجر الضمير، لا يمكن لثقافتها ووسطيتها أن تُمحى، وأن «الشخصية المصرية» عصية على الانكسار أو التبعية.
وقد كان الانحياز التاريخى والبطولى للقوات المسلحة المصرية تجسيدا حيا لعهد الدم والشرف، فهذا جيش الشعب، لا انحياز لديه سوى لوطنه ومصالح شعبه، ولاعقيدة راسخة بداخل صدور أبنائه إلا الحفاظ على هذه الدولة قوية آمنة مستقرة.
هكذا كانت الصورة فى ميادين مصر واضحة ناصعة، لا مستقبل لمن يتآمر على مصير الوطن، ولا بقاء لمن يريد أن يقزّم مصر كى تتناسب مع صغر حجمه وضألة عقله وضحالة فكره، بل الرهان على من يرى حقيقة مصر أمة عملاقة ضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ، وقادرة على بناء مستقبل واعد يليق بتلك الهوية الإنسانية والحضارية العميقة والعملاقة.
■■■
من ركام المواجهة انطلقت معركة الوعى الكبرى واستعادة الهوية المصرية. من ميادين الثورة بدأ الحلم بمصر الخالدة، الذى أضيئت شعلته منذ آلاف السنين على ضفاف النيل، وبقى ذلك النور يزهو ويخبو مع تحولات الدهر وتعاقب الدول لكنه لم ينطفئ أبدا، فقد بقيت مصر عصية على الانكسار، وظل شعبها متمسكا بروحه، مبصرا لطريقه، حتى وإن سعى البعض لأن يعصبوا عينيه أويضعوا أمامه العراقيل.
من ميادين الثورة بدأت معركة بناء الدولة، وإعادة بعث القوة الناعمة، واسترداد الوعى الوطنى كركيزة أساسية للأمن القومى والجمهورية الجديدة، كان الوعى ولا يزال أول وأهم أدوات معركة البقاء.
وقد حدد الرئيس عبد الفتاح السيسى أحد الأبطال الذين صنعوا بشجاعتهم وتجردهم لوطنهم ملامح هذه المرحلة الفارقة من عمر الوطن وصاغ بكلمات حاسمة خريطة الواقع وآفاق الأمل بقوله: «إن معركتنا الحقيقية هى معركة الوعى، الوعى الذى يبنى ولا يهدم، الوعى الذى يحمى المكتسبات ويصون الهوية الوطنية فى مواجهة موجات التشكيك وحروب الجيل الرابع والخامس».
■■■
قبل ثورة 30 يونيو واجهت الدولة المصرية تحديا وجوديا تمثل فى محاولة تجريف الموروث الثقافى واستبداله بأيديولوجيات ظلامية ضيقة، لكن جاءت الثورة لتعيد ترسيم حدود «الوعى الوطنى»، مرسخة حقيقة أن أمن مصر القومى يبدأ من حصانة عقل المواطن ونقاء هويته، وفقا للرؤية الرئاسية الثابتة: «الهوية المصرية ليست مجرد شعار نرفعه، بل هى طاقة عمل، وعقيدة تسامح ووسطية، وتاريخ ممتد من البناء الحضارى الذى يتسع لجميع أبناء الوطن بلا إقصاء أو تمييز».
لم تكن معركة البناء والعمران لكل ربوع مصر سوى استعادة لهوية مصر التى صنع بناءوها العظام صروح الحضارة على ضفاف النهر الخالد، ولم تكن حربها الضروس ضد الإرهاب سوى انحياز لوسطية وتسامح امتازت به الشخصية المصرية عبر الزمن رافضة محاولات الاستقطاب والتمييز والإكراه على اعتناق دين أو فكر.
ولم يكن المشروع الوطنى لإعادة بناء الإنسان المصرى، عبر التنمية الإنسانية المرتكزة على تحسين خدمات الصحة والتعليم والارتقاء بجودة الحياة لتكون معيشة المصريين «حياة كريمة» ـ لم يكن ـ سوى انحياز لهذا الإنسان الذى كان على مر العصور صانعا للحضارة وكلمة السر فى كتابة التاريخ وصياغة التحولات الكبرى فى منطقتنا التى تمثل مركز العالم.
ولم تكن معركة إعادة ترميم قوة مصر الناعمة عبر إحياء أدوات الثقافة والفن وبناء صروح الاحتفاء بآثارنا الخالدة من مواكب ومتاحف فاقت حدود الإبهار العالمى على غرار موكب المومياوات وافتتاح المتحف المصرى الكبير ـ سوى رسالة صريحة بأن الشخصية المصرية لا تعرف انقطاعات التاريخ، وتأبى محاولات الاختطاف والتشويه التى يمارسها المتاجرون بالأديان والشعارات الزائفة، فلم يكن هذا الاعتزاز بماضينا مجرد حدث سياحى بل رسالة فخر وتأكيد للعالم أن أحفاد الفراعنة يستدعون أمجاد الماضى لبناء أمجاد المستقبل.
■■■
لم يكن الطريق فى أى لحظة معبّدا أو مفروشا بالورود، بل كان - ولا يزال - مليئا بأشواك الاضطراب الإقليمى، ومطبات الأزمات الدولية وتداعياتها القاسية على واقعنا المحلي، لكن صلابة الدولة وقدرة مؤسساتها، وحكمة وإصرار قيادتها، ووعى وتماسك شعبها كانوا الحصن فى مواجهة العواصف التى تموج بها منطقتنا. لم نسمح لتلك الأزمات أن تعوق سعينا لبناء بلدنا، ولم نمنح خصومنا فرصة أن يشتتوا انتباهنا أو يستنزفوا طاقتنا ليحولوا دون تحسين واقعنا وصناعة مستقبلنا.
واجهت مصر التحديات العالمية بإصلاحات هيكلية، ونجحت فى امتصاص الصدمات، ووقفت فى وجه حروب الجنون الإقليمية سدا منيعا أمام محاولات تفكيك الدول الوطنية وإعادة رسم خرائط الإقليم، وتصدت لواحدة من أخطر مخططات الهيمنة على المنطقة وارتكاب ظلم تاريخى بحق الشعب الفلسطينى الشقيق، وتمسكت بحق كل شعوب المنطقة فى الحياة بأمن واستقرار ورخاء.
ولم تكن تلك المواقف أيضا بعيدة عن «هوية مصر» التى استعادتها ثورة 30 يونيو وعملت «الجمهورية الجديدة» على صيانتها وتحصينها وتنميتها، فقد كان الحفاظ على توازن الشرق دورا مصريا راسخا، ودحر الغزاة هواية مصرية قديمة من حطين وعين جالوت إلى المنصورة وسيناء، وصناعة السلام إرادة مصرية متواصلة من قادش إلى شرم الشيخ.
■■■
حين يكتب المؤرخون فصول القرن الحادى والعشرين، ستبرز ثورة 30 يونيو كواحدة من المحطات الكبرى التى غيرت مجرى التاريخ فى المنطقة والعالم، ستتوقف أمامها أقلام المؤرخين باعتبارها «البعث الثانى» للدولة الوطنية المصرية الحديثة، فحماية الهوية فى ميادين 30 يونيو هى التى مهدت الطريق لبناء جمهورية تمتلك مقومات الصمود والاستدامة لعقود طويلة مقبلة.
لقد رسخت الثورة فى الوعى الجمعى للأجيال الصاعدة قيم الاعتماد على الذات والفخر بالحضارة، وأثبتت أن الشخصية المصرية تمتلك مناعة تاريخية ضد الانكسار، وستظل 30 يونيو الحقيقة الساطعة والبوصلة التى توجّه أمة تجيد دائما كتابة التاريخ، وتصنع بأيدى أبنائها فجرا جديدا لدولة قوية، أبية، ومستنيرة.

ممدوح الصغير يكتب: رب ضارة نافعة
الثلاثون من يونيو «٢»
وهكذا سقط حكم المرشد





