لم تكن ثورة 30 يونيو 2013 ضد جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية فقط، بل كانت ثورة من أجل استعادة وطن من براثن الظلامية والفكر المتطرف والحكم الدينى الذى يستغل الدين من أجل الاستمرار فى الحكم، بعد أن حاولت الجماعة هدم مؤسسات الدولة، وفى مقدمتها الجيش والشرطة، واستبدالها بميليشيات النظام الخاص بالجماعة، التى لا تنتمى للدولة، لأنها أقسمت يمين الولاء والطاعة للمرشد العام، بخلاف محاولات التنظيم المستمرة للسيطرة على مؤسسة القضاء، وأخونة مؤسسات الدولة، من خلال تمكين المنتمين للتنظيم من جميع الوظائف المهمة بالدولة، حتى وإن لم يكونوا مؤهلين لشغلها، كما طبقت االجماعةب سياسة الإقصاء لجميع المختلفين معهم، بعد أن سيطروا على البرلمان، ونشروا رجالهم بمجلس الوزراء، والمحافظات، ووصول مرشحهم الاحتياطى محمد مرسى لمنصب الرئاسة.. رغم أنهم كانوا يرددون شعار امشاركة لا مغالبةب عقب ثورة 25 يناير 2011 ، لكنهم نكثوا وعودهم كعادتهم.
الجماعة الإرهابية أخطاء كثيرة ومارسوا السياسات الإقصائية لمخالفيهم، عبر ذراعها السياسية "حزب الحرية والعدالة" ورئاسة الجمهورية آنذاك، مما ساهم بشكل مباشر فى تصاعد غضب مختلف طوائف الشعب المصرى، والدعوة لمظاهرات 30 يونيو.
ومن أبرز هذه الأخطاء نكث العهود الانتخابية، فقد أعلنت الجماعة فى البداية عدم نيتها الترشح لمنصب الرئاسة، والاكتفاء بنسبة معينة فى البرلمان، لكنها تراجعت لاحقاً، وسيطرت على أغلب مقاعد البرلمان، ودخلت السباق الرئاسى، ليس بمرشح واحد، بل بمرشحين اثنين خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة واحتياطيه مرسى، مما أثار مخاوف القوى المدنية والسياسية مبكراً.
الخطأ الثانى للتنظيم الإرهابى كان اتباع سياسة "الأخونة"، فشعر قطاع واسع من النخبة والشعب بالاستبعاد، نتيجة تعيين أعضاء من الجماعة أو مقربين منها فى مفاصل الدولة والوزارات والمحافظات، مما أضعف فكرة "المشاركة لا المغالبة" التى رفعتها الجماعة شعاراً لها.
الخطأ الثالث كان الإعلان الدستورى المكمل فى نوفمبر 2012، الذى يعتبر نقطة التحول الرئيسية؛ حيث منح الرئيس آنذاك صلاحيات واسعة وحصّن قراراته ومجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور من الرقابة القضائية، مما أدى إلى غضب عارم فى الشارع، وتوحد المعارضة تحت مظلة "جبهة الإنقاذ الوطنى".
الخطأ الرابع تمثل فى إدارة ملف الدستور والصدام مع السلطة القضائية، لتقوم الجماعة والموالون لها من الجماعات الراديكالية بصياغة دستور 2012 التى تمت وسط انسحاب ممثلى الكنائس المصرية والقوى المدنية والليبرالية، ليصدر الدستور دون توافق مجتمعى حقيقى، مما أفقده الشرعية الشعبية لدى قطاعات واسعة.
والخطأ الخامس كان الصدام مع مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء مثل حصار المحكمة الدستورية العليا، وعزل النائب العام وتعيين آخر بقرار رئاسي، والأجهزة الأمنية.
كما شهدت البلاد نقصاً حاداً ومستمراً فى الوقود (البنزين والسولار)، وانقطاعاً متكرراً للتيار الكهربائى لساعات طويلة، مما أثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن البسيط.
كما حدث تدهور كبير فى الاحتياطى النقدى الأجنبى، وماتزلنا نتأثر بتبعاته وآثاره السلبية حتى اليوم، كما ارتفعت- أثناء فترة حكم الجماعة- معدلات التضخم والبطالة، مع غياب رؤية واضحة أو سريعة لحل هذه الأزمات الاقتصادية الخانقة، رغم ادعاء الجماعة أنها كانت تملك مشروعا تنمويا "مشروع النهضة" لشتى مناحى الحياة فى مصر، وفى مقدمتها الاقتصاد.
كما سيطر على الخطاب الإعلامى للجماعة الاستقطاب المجتمعى والإقصاء ولغة الاستعلاء والتخوين، فقد اتسم خطاب بعض قيادات الجماعة والتيار السلفى المتحالف معها فى المؤتمرات والمنصات - مثل منصة رابعة العدوية ومؤتمر دعم سوريا فى استاد القاهرة - بنبرة حادة واستقطابية، وصفت المعارضين أحياناً بـ"أعداء الدين".
كما زادت حدة المخاوف لدى المسيحيين والمثقفين والفنانين من محاولات تغيير هوية الدولة المصرية، وتكريس نموذج حكم دينى إقصائى.
ولتسليط الضوء على بعض هذه الإخطاء نجد أن التراجع عن الوعود السياسية المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية بعد ثورة 25 يناير 2011 كان أحد الأسباب الجوهرية التى هزت جدار الثقة بين جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية وبقية القوى المدنية والشبابية التى شاركت فى الثورة، فتحول التنظيم من الاستراتيجية الدفاعية (المشاركة الجزئية) إلى الهجومية (المغالبة والسعى لكل السلطات)، وتم تنفيذ ذلك على عدة مراحل، أولاها انتخابات مجلسى الشعب والشورى (2011 - 2012)، فعقب تنحى الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى فبراير 2011 خرجت قيادات الجماعة فى مؤتمرات صحفية رسمية لتطمئن الرأى العام الداخلى والخارجى، مؤكدة أن الجماعة لن تنافس على أغلبية مقاعد البرلمان، وأنها ستكتفى بالترشح على نسبة تتراوح بين 30% إلى 45% من المقاعد فقط، وذلك تحت شعار "مشاركة لا مغالبة"، لكن مع تأسيس حزب" الحرية والعدالة" فى مايو 2011 بدأت الطموحات تتسع، وشكلت الجماعة تحالفاً انتخابياً واسعاً (التحالف الديمقراطى من أجل مصر)، ودخلت الانتخابات البرلمانية بقوائم تغطى أغلب الدوائر الفردية والقوائم، ليحصد الإخوان وحلفاؤهم قرابة 47% من مقاعد مجلس الشعب، كما حصد التيار السلفى (حزب النور) قرابة 25% فأصبح للتيار الإسلامى هيمنة كاملة زادت عن ثلثى البرلمان، هذه المغالبة ولّدت المخاوف الأولى لدى القوى الليبرالية واليسارية من نية الجماعة السيطرة على صياغة الدستور الجديد.
وكان ملف الرئاسة نقطة التحول الأعنف فى مسار علاقة الجماعة بالقوى السياسية، حيث كان الالتزام بعدم الترشح للمنصب الرئاسى قاطعاً ومتكرراً، فقد أصدر مجلس شورى الجماعة (أعلى سلطة قرار داخلها) قراراً رسمياً ومعلناً فى بداية عام 2011 ينص على عدم الدفع بأى مرشح من الجماعة لانتخابات الرئاسة، بل ذهبت الجماعة إلى فصل بعض قياداتها الذين أعلنوا نيتهم الترشح خارج إرادتها، مثل الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح، وكانت فلسفة التنظيم حينها تقوم على أن دفع مرشح إسلامى للرئاسة سيتسبب فى صدام داخلى مع مؤسسات الدولة، بخلاف الصدام الخارجى مع القوى الدولية، لكن نقطة التحول والمناورة السياسية حدثت فى أواخر مارس 2012، عندما فاجأ مجلس شورى الجماعة الجميع بالتصويت لصالح تراجع كامل عن القرار السابق، وأعلن رسمياً ترشيح المهندس خيرت الشاطر لرئاسة الجمهورية، وبررت الجماعة هذا التراجع حينها بعدة حجج، منها اتهام المجلس العسكرى (الذى كان يدير البلاد) بمحاولة إجهاض الثورة، وتشكيل حكومة لا تمثل الأغلبية البرلمانية، والتهديد بحل البرلمان من قبل المحكمة الدستورية، والخوف من صعود مرشح محسوب على النظام السابق مثل أحمد شفيق أو عمرو موسى لكرسى الرئاسة.
كما وضعت الجماعة خطة للطوارئ تتضمن الدفع بالمرشح الاحتياطى، بسبب وجود عوائق قانونية وأمنية قد تمنع خيرت الشاطر من الترشح، لوجود أحكام عسكرية سابقة ضده، ودفعت الجماعة برئيس الحزب محمد مرسى كمرشح احتياطى، وعندما استبعدت اللجنة العليا للانتخابات خيرت الشاطر بالفعل أصبح مرسى المرشح الرسمى للجماعة، وهو ما أطلق عليه الإعلام والشارع حينها ساخراً لقب "الاستبن"، وشعرت القوى السياسية التى ساعدت مرسى فى الفوز بالرئاسة ضد مرشح النظام السابق أحمد شفيق بالخيانة، حيث تم إقصاؤها تماماً بمجرد تمكن الجماعة من السلطة.
أما سياسة "الأخونة" أو "أخونة الدولة" فكان المصطلح الذى شاع فى الشارع المصرى والأوساط السياسية والإعلامية خلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسى (2012-2013)، وكان المصطلح يُشير إلى استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين فى إحلال عناصرها أو الشخصيات الموالية لها والمقربة من فكرها فى مفاصل ومؤسسات الدولة الحيوية، بدلاً من الاعتماد على معايير الكفاءة أو التعددية السياسية، ورغم أن الجماعة كانت تنفى هذه السياسة وتعتبرها "شماعة للمعارضة" وتؤكد أنها تستعين بأصحاب الكفاءات، إلا أن القرارات والتعيينات على أرض الواقع كانت تعكس نمطاً واضحاً أثار مخاوف حقيقية لدى مؤسسات الدولة والمواطنين.
ومن مظاهر هذه السياسة حركة المحافظين فى يونيو 2013، التى أشعلت الغضب الشعبى ضد ما وُصف بـ "الأخونة"، وكانت حركة تعيين المحافظين الجدد فى منتصف يونيو 2013 أى قبل أسبوعين فقط من ثورة 30 يونيو، وتم فيها تعيين 7 محافظين ينتمون بشكل مباشر لجماعة الإخوان المسلمين بمحافظات حيوية مثل الإسكندرية، والجيزة، والغربية، والمنوفية، وكانت الصدمة الكبرى فى محافظة الأقصر، حيث تم تعيين محافظ ينتمى لـ"الجماعة الإسلامية"، التى تورط جناحها المسلح سابقاً فى مذبحة الأقصر الإرهابية عام 1997 التى راح ضحيتها عدد من السياح، مما أدى إلى موجة غضب عارمة، واستقالة وزير السياحة آنذاك احتجاجاً على القرار، فضلاً عن قيام أهالى الأقصر بغلق ديوان المحافظة بالجنازير لمنع المحافظ الجديد من الدخول.
كما أحيط مرسى بفريق عمل غلبت عليه الصبغة الإخوانية فى الدوائر الضيقة لصنع القرار، حيث تم تعيين قيادات إخوانية بارزة فى مناصب حساسة داخل قصر الاتحادية، مثل الدكتور عصام الحداد مساعداً للرئيس للشؤون الخارجية والتعاون الدولى، الذى كان يُنظر إليه على أنه وزير الخارجية الفعلى، وصاحب النفوذ الأقوى فى العلاقات الدولية للجماعة، والدكتور أحمد عبد العاطى مديراً لمكتب الرئيس.
وأدى هذا الانغلاق إلى استقالة جماعية لعدد كبير من المستشارين السياسيين والمفكرين المدنيين مثل الدكتور سمير مرقص، والشاعر فاروق جويدة، والدكتور سيف الدين عبدالفتاح، وعمرو الليثى احتجاجاً على انفراد الدائرة الإخوانية بالقرار، خاصة بعد صدور الإعلان الدستورى فى نوفمبر 2012.
ولم تقتصر التعيينات الإخوانية على الوزراء فقط، بل امتدت إلى الصف الثانى والثالث فى الوزارات (مساعدى الوزراء، المستشارين، رؤساء القطاعات)، فقد شهدت وزارة التربية والتعليم تعيينات واسعة النطاق لخطباء وقيادات تربوية من الجماعة، وتغيير بعض المناهج أو مراجعتها، مما أثار ذعر العائلات المصرية على هوية التعليم، وتعيين علاء عبدالعزيز المحسوب على التيار الإسلامى وزيرا للثقافة، الذى قام فور توليه بإقالة قيادات تاريخية فى الثقافة المصرية مثل رئيسة دار الأوبرا، ورئيس الهيئة العامة للكتاب، مما تسبب فى اعتصام شهير للمثقفين والفنانين داخل مقر وزارة الثقافة دام لأسابيع حتى سقوط النظام، كما تم تعيين صلاح عبد المقصود القيادى الإخوانى وزيراً للإعلام، وبدأت خطة لتغيير رؤساء القنوات التلفزيونية الرسمية ومذيعى البرامج الرئيسية، لتبنى خط التغطية الداعم للجماعة.
ولم تكن المشكلة فى رغبة أى سلطة جديدة الاستعانة ببعض رجالها، بل تمثلت الأزمة فى المنهجية والسرعة والنوعية.
كما شعر المواطن العادى أن التعيينات لا تستهدف تحسين الخدمات، التى كانت تنهار من كهرباء ووقود، بل تستهدف السيطرة على مفاصل الدولة وتحويلها من دولة "المواطنة" إلى دولة "التمكين الفصائلى".
ويُجمع المؤرخون والمحللون السياسيون على أن الإعلان الدستورى الذى أصدره الرئيس المعزول مرسى كان نقطة اللاعودة والشرارة الحقيقية التى كتبت بداية النهاية لحكم جماعة الإخوان المسلمين، ففى ذلك اليوم تحولت المعارضة من جزر منعزلة ومشتتة إلى جبهة واحدة متماسكة، وخرج ملايين المواطنين إلى الشارع فى موجة غضب عارمة لم تهدأ حتى أحداث 30 يونيو 2013.
وتضمن الإعلان 6 مواد رئيسية، لكن 3 مواد منها كانت بمثابة قنابل سياسية وقانونية فجرت المشهد، والمادة الثانية الخاصة بتحصين القرارات الرئاسية، فقد نصت على أن "الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة وحتى نفاذ الدستور، تكون نهائية ونافذة بذاتها، غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أى جهة، وتنقضى وتتوقف المألوف من الدعاوى المرفوعة بشأنها أمام أى جهة قضائية"، وقد جعلت هذه المادة قرارات الرئيس فوق القانون وفوق رقابة القضاء تماماً.
أما المادة الثالثة التى عُرفت بـ"عزل النائب العام" فقد نصت على تعيين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة 4 سنوات، وبناءً عليه تم عزل النائب العام "المستشار عبد المجيد محمود" الذى كان محصناً بقانون السلطة القضائية ولا يجوز عزله، وتعيين المستشار طلعت عبد الله بدلاً منه.
بينما حصنت المادة الخامسة مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، بعد أن نصت على أنه "لا يجوز لأى جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور"، وكان الغرض من هذه المادة قطع الطريق على المحكمة الدستورية العليا التى كانت تنظر فى قضايا بطلان حلهما.
بينما أعطت المادة السادسة صلاحيات استثنائية للرئيس، حيث منحته الحق فى اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية الثورة ووحدة الوطن وسلامة أراضيه فى مواجهة أى خطر.
وخلال 48 ساعة فقط من صدور الإعلان اجتمعت كل الرموز السياسية المعارضة بمقر حزب الوفد، وأعلنوا تأسيس "جبهة الإنقاذ الوطنى" لتقود المعارضة جماعياً، كما اعتبر القضاة أن عزل النائب العام وتحصين قرارات الرئيس من الرقابة القضائية "مذبحة للقضاء" وهدم لمبدأ الفصل بين السلطات، وأعلنت محكمة النقض ونادى قضاة مصر تعليق العمل بالكامل فى المحاكم والنيابات احتجاجاً على الإعلان ودخلت النيابة العامة فى إضراب غير مسبوق، وحاصر أعضاء النيابة مكتب النائب العام الجديد لإجباره على الاستقالة.
كما انتقلت الأزمة من الغرف المغلقة إلى صدام دام فى الشوارع، وخرجت مظاهرات حاشدة لرفض الإعلان وحاصرت قصر الاتحادية الرئاسى، وفى 5 ديسمبر 2012 دعت قيادات جماعة الإخوان أعضاءها للتوجه إلى القصر لـ"فض اعتصام المعارضين" بالقوة، مما أدى إلى اشتباكات شوارع دموية أسفرت عن مقتل حوالى 10 أشخاص وإصابة المئات، لتنزع هذه الأحداث الغطاء الأخلاقى والسلمى عن الجماعة فى نظر قطاعات واسعة من الشعب المصرى.
وفى ٣٠ يونيو خرج ملايين المصريين فى مظاهرات حاشدة ليُسقطوا حكم الجماعة الإرهابية، وليُعيدوا مصر إلى الطريق الصحيح.
حسن علام يكتب: الإمام جاد الحق بين الجدية والفكاهة
صلاح دندش يكتب: تخاريف
أيمن بدرة يكتب: عقود وعروض في غير وقتها






