كان صبيًا يقرأ حكاية عن حيوانات تدير مزرعة وتتنازع السلطة فيما بينها، لم يكن يدرك وقتها كل ما تخفيه الحكاية من رموز وإشارات، ولم يكن يعرف أن ذلك الكتاب الصغير سيظل يعود إليه كلما تقدم به العمر، كان يشعر بأن وراء الصفحات شيئًا أكبر من القصة نفسها؛ شيئًا غامضًا يدفعه إلى إعادة القراءة واكتشاف معنى جديد فى كل مرة، مرت السنوات وكبر الصبى وانتقل من مقاعد الدراسة إلى عالم الكتابة، لكن الكتاب الأول لم يغادره. ظل حاضرًا فى الذاكرة، يهمس بأسئلته وأفكاره كلما شرع فى كتابة رواية جديدة.
من هنا تبدو الحكاية مدخلًا لسؤال عن العلاقة بين القارئ وكتابه الأول، ولماذا تبقى اللحظة الأولى أكثر حضورًا فى الذاكرة.
ترى د. فاطمة نجاح بكر، المتخصصة فى قضايا التربية وعلم النفس التربوي، أن ذكرى الكتاب الأول لا تتكون من النص وحده، بل من التجربة كاملة، وتوضح أن الدماغ لا يحتفظ بقصة الكتاب فقط، بل يحتفظ أيضًا بشكل التجربة ومشاعرها الأولى، لذلك تظل بعض الكتب عالقة فى الذاكرة لسنوات طويلة، وتضيف أن الكتاب الأول غالبًا ما يتحول إلى لبنة أساسية فى تشكيل هوية الإنسان وبنائه النفسى والفكري، حتى لو لم يدرك ذلك فى حينه.
الكتاب الذى يصنع كاتبًا
وإذا كانت الذاكرة تحتفظ بالكتاب الأول كتجربة نفسية ومعرفية، فإن هذا الأثر يظهر بصورة أعمق عندما يتحول القارئ نفسه إلى كاتب.
يرى الروائى أشرف العشماوي، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب 2026 عن روايته «مواليد حديقة الحيوان»، أن بعض الكُتب الأولى تترك أثرًا يصاحب الإنسان سنوات طويلة.
ويشير إلى أن رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل كانت كتابه الأول، وأنه لم يكن يمتلك وقتها الخبرة الكافية لفهم كل طبقاتها السياسية والرمزية، لكنه شعر بشيء غامض يدفعه إلى قراءتها أكثر من مرة.
ويؤكد العشماوي، أنه اكتشف لاحقًا أن الرواية أصبحت نافذة لفهم البشر والعالم، وأن الأدب يستطيع أن يقول ما لا تستطيع الخطب والمقالات قوله.
ويضيف: «اكتشفت أن الكتاب الأول مازال فى الخلفية من ذهني، يهمس لى كلما شرعت فى كتابة رواية أو قصة».
ويختتم قائلًا: «ظللت أؤمن بأن الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، لكنها محاولة دائمة لفهم العالم ومساءلته، وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذى منحنى إياه أول كتاب قرأته فى حياتي».
ولم يكن تأثير الكتاب الأول مقتصرًا على الروائيين وحدهم، فالشاعر أحمد الشهاوى يتذكر أن بداياته جاءت عبر القرآن الكريم بحكم نشأته فى بيت أزهري، ثم عبر دواوين أبى القاسم الشابى وأحمد شوقى ومحمود سامى البارودي، وهى القراءات التى عرَّفته مبكرًا بجمال اللغة وموسيقاها.
ويقول الشهاوي: «تركت تلك الدواوين، وكذلك أعمال المتصوفة، فى وجداني، أثرًا عميقًا؛ منها تعلمت الإصغاء إلى نبض اللغة، والبحث عن الجمال المختبئ فى الأشياء، ومنها بدأت رحلتى الطويلة مع الشعر بوصفه محبة وكشفًا وسعيًا دائمًا إلى المعنى».
أما الروائى الشاب على قطب، فيقول: «كانت القراءة هوايتى الأولى، وسبقها شغف كبير بالاستماع إلى الحكايات، فكانت عبارة «كان يا ما كان» كافية لفتح أبواب الخيال أمامي».
ويضيف أن بوابته إلى القراءة كانت سلسلة «المغامرون الخمسة» لمحمود سالم، التى أسرته بعوالمها المليئة بالألغاز والمغامرات، وعرَّفته للمرة الأولى بفكرة التشويق وبناء اللغز، وكيف يمكن للحكاية أن تدفع القارئ إلى ملاحقة الصفحات بحثًا عن الإجابة، ويرى أن أثر تلك السلسلة ظل حاضرًا فى علاقته بالسرد وفى شغفه بصناعة الحكايات.
عندما يفشل الكتاب الأول
لكن البداية مع القراءة لا تكون دائمًا إيجابية، فبعض التجارب الأولى قد تتحوّل إلى نفور وابتعاد، وفى هذا الإطار تروى ملك إبراهيم، الطالبة بكلية الآداب، أن أول كتاب قرأته لم تستطع استكماله بسبب صعوبة لغته، وكانت وقتها بالمرحلة الإعدادية، مما دفعها إلى الابتعاد عن القراءة لسنوات.
وتضيف أن رواية ليوسف السباعى أهدتها إليها إحدى صديقاتها أعادت اكتشاف متعة القراءة، وأثارت لديها الدهشة والحماس، فدفعتها إلى البحث عن كُتب أخرى.
وتقول رنين سعيد، الباحثة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، إن كتابها الأول شَكَّل نقطة تحوّل حقيقية فى حياتها، فلم يقتصر تأثيره على تعليمها كيفية ترتيب أولوياتها وتوجيه طاقتها، بل كان بوابتها الأولى إلى عالم القراءة.
أما رضوى محمد، الطالبة بكلية التجارة، فتقول: أول كتاب حاولت قراءته فى مكتبة أحد أقاربى جعلنى أكره الكُتب وأبتعد عنها تمامًا، ولا أدرى متى سأعيد المحاولة.
وتكشف هذه الشهادات أن الكتاب الأول قد يكون بوابة للقراءة، وقد يتحوّل أيضًا إلى سبب للنفور منها، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أهمية الاختيار المبكر للكتاب المناسب.
القراءة المبكرة تصنع الهوية القرائية
ترى د.إيمان عبد الله، المتخصصة فى العلاج النفسى وتأثير الخبرات المبكرة فى البناء النفسى للإنسان، أن القراءة خلال السنوات الأولى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنجاح الدراسي؛ لأنها تمثل مرحلة حاسمة فى بناء المهارات اللغوية والمعرفية، وتؤكد أن الأبحاث تثبت أن الطفل الذى يقرأ مبكرًا يصبح أكثر إقبالًا على القراءة فى المستقبل، وتضيف: القراءة المبكرة تصنع الهوية القرائية؛ لأن الطفل ينشأ على ما تربى عليه، فإذا اعتاد تخصيص وقت للقراءة ستبقى جزءًا من حياته.
وتتفق معها د.إيمان الريس المستشار التربوى والنفسي، مؤكدة أن البيئة الأسرية تؤدى دورًا أساسيًا فى تكوين القارئ.
وتوضح أن الطفل الذى ينشأ فى بيت يضم كُتبًا ويرى أفراد أسرته يقرأون، يكتسب هذه العادة بصورة طبيعية، كما تسهم القراءة المبكرة فى تنمية الخيال والفضول المعرفى وبناء علاقة طويلة الأمد مع المعرفة، وتشير إلى أن الهاتف المحمول والإنترنت فرضا منافسة قوية على الكتاب مع انتشار المحتوى السريع، لكنها تؤكد أن الكتاب لن يختفي، وإنما يحتاج إلى جهد وتركيز أكبر من أى وقت مضى.
مَن يختار الكتاب الأول؟
إذا كانت القراءة المبكرة تسهم فى تشكيل علاقة الإنسان بالكتاب، فإن السؤال التالى يصبح أكثر أهمية: مَن يختار الكتاب الأول؟
فى الماضى كانت الأسرة تقوم بهذا الدور ثم شاركتها المدرسة، أما اليوم فقد دخلت المنصات الرقمية والخوارزميات إلى المشهد، ليصبح اختيار الكتاب أكثر تعقيدًا.
ويؤكد أحمد زحام كاتب أدب الطفل، أن اختيار الكتاب الأول يجب أن يتم وفق وعى تربوى يراعى المرحلة العمرية واحتياجات الطفل، ويضيف: الكتاب الأول الحقيقى هو الذى يحبه الطفل ويطلب قراءته مرارًا، لأن الهدف خلال هذه المرحلة ليس التعليم فقط، بل بناء علاقة حب بين الطفل والقراءة.
وترى فاطمة جلال مديرة مكتبة مصر العامة بالزاوية الحمراء، أن الجاذبية البصرية عنصر حاسم فى اختيار الطفل لكتابه الأول، إذ تميل الكُتب المصورة والقصص القصيرة الملونة إلى جذب انتباهه، وتوضح أن الطفل لا يبحث فى البداية عن المعرفة بقدر ما يبحث عن المتعة والاكتشاف.
هل يُغيِّر الكتاب الأول حياة القارئ؟
يؤكد الناقد د. هيثم الحاج، أن الوعى القرائى والفكرى فى حياة الإنسان يرتبط بدرجة كبيرة بالكتاب الأول الذى لا يقف تأثيره عند حدود التلقى العابر، بل يُشكِّل تجربة معرفية مبكرة تعيد ترتيب طبقات الوعى وتصنع الانطباع الأول عن فعل القراءة.
ويرى أن هذا الكتاب غالبًا ما يولد من رحم بيئة محفزة، حيث توجد علاقة تفاعلية بين الكتاب والبيئة؛ فالأولى تمنح النص سياقه، بينما يمنح النص للبيئة عمقها وتفسيرها.
ويقول: الكتاب لا يخلق قارئه من العدم، كما أن القارئ لا يولد مستعدًا بشكل مطلق؛ إنها عملية اكتشاف متبادَل، ويضيف أن بعض الكُتب تتحوّل إلى محطات تأسيسية فارقة لأنها تمثل مفتاح الهوية واللحظة التى ينتقل فيها القارئ من التلقى العفوى إلى الوعى النقدى المنظم.
ومع هذا التعدد فى التجارب والرؤى، يبقى السؤال مفتوحًا بلا إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن الكتاب الأول لا يُنسى؛ لأنه أول اختبار حقيقى لعلاقة الإنسان بالقراءة، سواء انتهى إلى الشغف أو إلى النفور.
وسيظل دائمًا اللحظة التى يبدأ فيها العالم بالاتساع أمام القارئ، وربما لهذا السبب ظل ذلك الصبى الذى قرأ «مزرعة الحيوان»، يعود إلى كتابه الأول كلما تقدم به العمر؛ لأن بعض الكُتب لا تنتهى عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها.
مسرح محمد رياض:«القومى للمسرح» هو النجم ونسعى لوصوله لكل مصر
سوزان حسن تستعيد ذكريات ٤٠ عامًا داخل المبنى العريق
مجدى أحمد على: الخيال يملأ الفراغات.. الشناوى: المصداقية أولاً





