أحدث إعلان رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر استقالته من منصبه، بعد أقل من عامين على فوز حزب العمال الساحق فى الانتخابات العامة عام 2024، صدمة فى الأوساط السياسية البريطانية، وأعادت هذه الخطوة إلى الواجهة حالة عدم الاستقرار التى أصبحت سمة متكررة للحياة السياسية فى المملكة المتحدة منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبى عام 2016.
وبينما أكد ستارمر أن قراره جاء حرصاً على وحدة الحزب والمصلحة الوطنية، فإن خلفيات الاستقالة تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بتراجع شعبيته، وتصاعد الخلافات داخل حزب العمال، وصعود منافسين جدد هددوا مستقبل الحزب الحاكم.
ففى يوليو من عام 2024 وصل ستارمر إلى رئاسة الوزراء على رأس أغلبية برلمانية مريحة، واضعاً نهاية لـ14 عاماً من حكم المحافظين، وقدّم نفسه آنذاك بوصفه رجل الاستقرار والبراجماتية القادر على إعادة الثقة إلى السياسة البريطانية بعد سنوات من الاضطرابات التى شهدتها حكومات ديفيد كاميرون وتيريزا ماى وبوريس جونسون وليز تراس وريشى سوناك، غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجياً مع استمرار المشكلات الاقتصادية وتزايد الانتقادات بشأن غياب رؤية واضحة للحكومة.
فبعد 3 أشهر فقط من وصوله إلى رئاسة الوزراء، أعاد أكثر من 6 آلاف جنيه إسترلينى من الهدايا التى حصل عليها، بما فى ذلك تذاكر لحضور حفلات المغنية تايلور سويفت، ورغم أن ذلك لم يخالف القواعد، فإن تقارير تحدثت عن حصول وزراء على هدايا مجانية بمبالغ كبيرة من متبرعين أثرياء، وهو ما أثار استياء الناخبين.
ومن بين العوامل الرئيسية التى أضعفت موقع ستارمر، الفشل فى تحقيق اختراق اقتصادى ملموس، فقد واجهت الحكومة تباطؤاً فى النمو، واستمرار الضغوط التضخمية، وتفاقم أزمة تكاليف المعيشة، بينما لم يشعر الناخبون بأن الوعود التى قدمها حزب العمال خلال حملته الانتخابية انعكست على حياتهم اليومية.
وزادت التداعيات الاقتصادية للحروب، أولاً فى أوكرانيا ثم فى إيران، من تعقيد الوضع، ما هدد بدفع بريطانيا إلى حافة الركود.
وبسبب اعتمادها الكبير على الواردات، توقع تقرير لصندوق النقد الدولى صدر فى أبريل أن تكون المملكة المتحدة من بين أكثر الاقتصادات المتقدمة تضرراً من صدمة الطاقة الناتجة عن الصراع فى الشرق الأوسط.
ومع مرور الوقت، تحولت خيبة الأمل الشعبية إلى تراجع واضح فى معدلات التأييد، الأمر الذى أثار قلق نواب الحزب الحاكم الذين بدأوا ينظرون إلى مستقبلهم الانتخابى بقلق متزايد.
كما تعرض ستارمر لانتقادات متكررة بسبب ما اعتبره كثيرون افتقاره إلى الرؤية السياسية الواضحة، فقد اتهمه خصومه داخل الحزب وخارجه بالتردد وكثرة التراجع عن بعض السياسات، بما فى ذلك التخلى عن تعهدات الاستثمار الأخضر، وإصلاح نظام الإعانات الاجتماعية، وتعديل ضريبة الميراث، الأمر الذى أضعف صورته كزعيم قادر على اتخاذ قرارات حاسمة، وتحدث مسئولون سابقون ومقربون من الحكومة عن مشكلات تتعلق بأسلوب القيادة وضعف التواصل مع أعضاء الحزب والوزراء.
وفى الوقت نفسه، تعرض لهجمات من اليمين بسبب ما اعتبره منتقدوه فشلاً فى الحد من أعداد المهاجرين الذين يعبرون القنال الإنجليزى بصورة غير قانونية من فرنسا.
وشكلت نتائج انتخابات مايو الماضى، التى شهدت خروج حزب العمال من السلطة فى ويلز، وتسجيله أسوأ نتيجة له فى البرلمان الإسكتلندى، وخسارته نحو 1500 مقعد فى المجالس المحلية بإنجلترا، الضربة القاضية بالنسبة لكثير من نواب الحزب.. واعتبر كثير من النواب أن استمرار ستارمر فى القيادة قد يقود الحزب إلى خسارة الانتخابات العامة المقبلة، خاصة فى ظل الصعود السريع لحزب اليمين الشعبوى «إصلاح المملكة المتحدة» بقيادة نايجل فاراج، الذى نجح فى استقطاب جزء من الناخبين الغاضبين من الأحزاب التقليدية.
وزادت الأزمة تعقيداً مع بروز اسم آندى بيرنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق، باعتباره الشخصية الأكثر قدرة على إنقاذ الحزب، فقد خاض بورنهام، الذى طالما طمح إلى زعامة الحزب، انتخابات فرعية فى دائرة ميكرفيلد شمال غرب إنجلترا بهدف العودة إلى البرلمان والمنافسة على قيادة العمال.
واعتبر فوزه الساحق على حزب الإصلاح، فى منطقة كانت قد صوتت للإصلاح فى الانتخابات المحلية، دليلاً بالنسبة لكثير من نواب العمال على أنه الرجل القادر على قيادة الحزب فى الانتخابات المقبلة.
كما شكل موقف كير ستارمر من حرب غزة عامل ضغط سياسى ساهم فى إضعاف موقعه داخل حزب العمال وخارجه، فقد أدى دعمه المبكر لحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها، ثم انتقاله لاحقاً إلى خطاب أكثر توازنا تحت ضغط داخلى، إلى انقسام داخل الحزب الذى صارت فيه قاعدة شبابية كبيرة مؤيدة للفلسطينيين، إضافة إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية المؤيدة لفلسطين فى بريطانيا.
وكذلك تعرضت حكومة ستارمر لسلسلة من الأزمات الداخلية والجدل السياسى، كان أبرزها تداعيات تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة، وهى الخطوة التى أثارت انتقادات واسعة بسبب علاقاته السابقة بجيفرى إبستين، وعلى الرغم من إقالته لاحقاً، فإن القضية تحولت إلى مصدر إحراج سياسى كبير، وأسهمت فى استقالات مسئولين كبار مقربين من رئيس الوزراء، كما دفعت شخصيات بارزة فى الحزب إلى التشكيك فى قدرته على إدارة الأزمات..
وفى الأشهر الأخيرة، تصاعدت الاستقالات والانتقادات العلنية داخل الحكومة نفسها، مما جعل بقاء ستارمر أكثر صعوبة،
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن عدداً من الوزراء وكبار النواب أصبحوا مقتنعين بضرورة إجراء تغيير سريع فى القيادة من أجل وقف النزيف السياسى وإعادة بناء صورة الحزب، ومع اتساع دائرة المعارضين داخل الحزب، بدا أن الخيارات المتاحة أمام ستارمر أصبحت محدودة للغاية.
وفى خطاب استقالته، حاول ستارمر تقديم القرار على أنه خطوة تهدف إلى الحفاظ على وحدة حزب العمال واستقرار البلاد، مؤكداً أنه سيبقى فى منصبه حتى الانتهاء من عملية انتقال السلطة، غير أن المراقبين رأوا أن الاستقالة جاءت استجابة لحقيقة سياسية واضحة مفادها أن غالبية أعضاء الحزب لم يعودوا يرون فيه الشخص المناسب لقيادة الحزب فى الانتخابات المقبلة.
وتعكس هذه التطورات أزمة أعمق فى النظام السياسى البريطانى، الذى شهد تعاقب 7 رؤساء وزراء خلال عقد واحد، ويرى محللون أن حالة عدم الاستقرار هذه ساهمت فى إضعاف الثقة بالاقتصاد البريطانى، وأدت إلى غياب الاستمرارية فى السياسات العامة،
كما فتحت المجال أمام صعود الحركات الشعبوية التى تستفيد من تراجع ثقة الناخبين بالأحزاب التقليدية.. وبينما يستعد حزب العمال لاختيار زعيم جديد، تبدو بريطانيا مقبلة على مرحلة سياسية جديدة قد تعيد رسم موازين القوى بين الأحزاب الرئيسية، فاستقالة كير ستارمر لا تمثل نهاية تجربة سياسية قصيرة فحسب،
بل تكشف أيضاً عن حجم التحولات التى يشهدها المشهد البريطانى، وعن التحديات التى تواجه الأحزاب التقليدية فى عصر يتزايد فيه الغضب الشعبى وتتسع فيه مساحة التيارات الشعبوية، الأمر الذى يجعل السؤال الأكبر ليس فقط لماذا استقال ستارمر، بل إلى أين تتجه السياسة البريطانية بعده؟.
إيران - أمريكا.. المنطقة على حافة الهـــــــــــاوية
رغم الاتفاق الإطارى| تل أبيب تصعد وتشعل شبح الحرب الأهلية فى لبنان
جواز ترامب





