سيمفونية الرمل والنخيل «الخارجة» رحلة في جوف الصحراء الغربية

الواحات الخارجة
الواحات الخارجة


ثمة خط رفيع يفصل بين العشق والوحشة، خط ترسمه تلك الصحراوات المُمتدة فى قلب مصر الغربية، هناك حيث تتناثر مدن وقرى الواحات كجزر خضراء وسط بحر من الرمال اللانهائية يعيش أناس صاغت الطبيعة قسوتهم طيبة، وصهر سكون الليل الطويل ملامحهم.

المكان هُنا ليس مُجرد جغرافيا بل هو خصم وعشيق فالرمال كثيرًا ما زحفت بغدر لتخنق النخيل، وحاصرت منازل الأهالى والبيوت الأثرية، وطمست عيون الماء العذبة كأنها تُريد محو أثر البشر، لكن أهل الواحات ظلوا هناك، واقفين فى وجه الزوابع كنخيلهم، لم تكن قسوة الصحراء عليهم شرًا خالصًا، ولم تعزلهم عن قطار الزمن، بل أورثتهم فضائل الصبر والصلابة والأمان المُمتد عبر الأجيال

من هُنا، من هذه العتبة الفاصلة بين قسوة الأرض ورقّة البشر، تبدأ رحلتنا إلى تلك البقاع المنسية من الصحراء الغربية.

ثمانى ساعات كاملة قضاها الأتوبيس ينهب الطريق نهبًا، يشق عتمة الليل وصمت الفضاء المُمتد من القاهرة صوب الغرب، ثمانى ساعات كانت بمثابة برزخ زمنى نخلع فيه عن أنفسنا رويدًا رويدًا صخب العاصمة وضجيجها المتسارع، لتستقبلنا واحة الخارجة مع خيوط الفجر الأولى، فى تلك اللحظة التى وطئت فيها أقدامنا أرض الواحة شعرنا بأن الزمن الحاضر قد توقف تمامًا، ليحل محله زمن آخر، سكون مُطبق تملأ جنباته هيبة الصحراء.

بوابة السكون وأرض الفنون

لا صوت هنُا سوى صفير الرياح الذى يعزف لحن الاستقبال، وكأنه المُعادل الموضوعى لكل تلك الضوضاء التى تركناها خلفنا فى قطار المدينة، كانت الشمس تستيقظ ببطء، مُرسلة أشعتها الذهبية الأولى لتداعب نسمة صباحية باردة، تشاركنا استقبالنا مع ابتسامات دافئة يرفعها أبناء هذه الواحات الطيبة، شواهد مدينة البجوات تستقبلك تحكى فصلًا عن تاريخ الآثار القبطية فى مصر، وبعدها  تُشاهد معبد هيبس الفرعونى، ترى بعينيك سيمفونية الزمان والمكان لتاريخ ضارب فى جذور هذه المنطقة الشاسعة.

هذا الهدوء البكر لم يكن ليفصح لأول وهلة عن الأسرار والحكايات التى تخبئها الرمال فى جوفها، فرغم أن رياح المدنية الحديثة هبت على هذه المُجتمعات منذ سنوات، إلا أنها أخفقت فى اقتلاع العادات القديمة الموروثة، لقد مرت أجيال وأجيال هُنا، ولم تعرف هذه الأرض سوى الأمان الذى تغلغل فى نفوس الناس، تمامًا كما تضرب جذور النخيل فى عمق الرمال لتتشبث بالتربة الصلبة، فيواجهان معًا ريح الشمال العاتية التى تحمل ذرات الرمل الناعمة.

فى تلك البقاع المنسية من الصحراء الغربية لاتيحتاج الإنسان إلى أكاديميات الفنون، فالطبيعة هناك هى المُعلم الأول والمُلهم الأكبر، فنانو الواحات هم اتشكيليون بالفطرةب، نبتت موهبتهم من رحم الكثبان وعيون المياه. الرسم بالرمال بأصابع خبرت دروب الصحراء، يطوِّع الفنانون ذرات الرمل الذهبى ليصنعوا منها لوحات حية تنبض بحكايات الواحة الخالدة، وها هو الفنان أحمد وهبة استخدم رمال واحة الداخلة فى إبداع أعمال فنية متنوعة على مدار عشرات السنوات، وعرضت أعماله فى كثير من المعارض والمحافل الفنية داخل مصر وخارجها ويُعد الأشهر فيما يتعلق بفن الرسم على الرمال بمسيرته الطويلة.

العـــم سليمان أبــو الحســن 71 عــامًا أحــد أقدم وأشهر صانعى الفُخار والخزف بمركز الخارجة، يتحدث عن حرفته قائلًا إن "الطَفلة" تختلف جودتها من منطقة لأخرى حسب عمرها الجيولوجى، فكلما كانت ضاربة فى القدم ارتفعت قيمتها وجودتها، ويتفاوت عمرها غالبًا ما بين مليون وثلاثة ملايين سنة، وتتميز "طفلة" الواحات عن غيرها بخواصها الفريدة من حيث القوة والصلابة والتماسك، وبالتالى تسهل عملية تشكيلها حسب ما تريد وفى حالة تحويلها من فخار إلى خزف يتم حرقها فى أفران عالية الحرارة مما يزيد من تماسكها وصلابتها.

السجاد اليدوى والحرف التقليدية تنتشر على أرض الواحة، تنسج النوالات والخيوط الصوفية قصصًا من الصبر والكبرياء، تتحول فيها السجادة اليدوية إلى بساط يحكى تاريخ واحة دافئة، لقد أكسبتهم الطبيعة القاسية تارة، والحانية تارة أخرى، معرفة عميقة وفنونًا صلبة كجبالها، وناعمة كشواطئ بحر رمالها.

من جوف هذه البساطة، وُلدت حكاية أخرى عام 1969، حيث يروى لنا الفنان محمد عبدالله محمد مدير فرقة الواحات للفنون الشعبية كيف انطلقت هذه الأيقونة بالجهود الذاتية من بعض أبناء المحافظة الغيورين على تراثهم، والراغبين فى جمع تشتته والحفاظ عليه من الاندثار، بل هو "أطلس إنثروبولوجى" يتحرك على المسرح ليوثق أدق تفاصيل السيكولوجية الواحاتية، رقصة "الخزام" تصميم الفنان على الجندى وهى عبارة عن حوار غزلى دافئ ومشحون بالعاطفة بين الفتى والفتاة فى قلب الصحراء.

وهناك رقصة "البير"، وهى تعبير حركى عبقرى عن رحلة البحث عن شريان الحياة فى الواحات؛ وحفر الآبار فى الصحراء والابتهاج بتدفق المياه الجوفية، ورقصة "البلح"، وهى احتفالية راقصة بأهم المحاصيل الاستراتيجية والرمزية للواحات "الذهب الأسمر"، تبدأ من زراعة النخيل وتصل بذروتها إلى "مهرجان جنى البلح" حيث تصدح الأفراح والليالى الملاح.

لم تقف جغرافيا الصحراء عائقًا أمام الفرقة، بل انطلقت كالسهم تعبر عن هوية مصر فى المحافل الدولية؛ فبعد أن أثبتت جدارتها محليًا فى المهرجانات السياحية والأعياد القومية ومهرجان الإسماعيلية الدولى، طافت الفرقة العالم لتنقل رقصة "البلح" ونغمات "المقرونة" إلى أذان وعيون شعوب العالم. 

 

يوتوبيا حسن فتحى.. وحلم عين أمور المجهول

فى أزقة الواحة تناهى إلى مسامعنا أن هناك مناطق أثرية غارقة فى عمق الصحراء، لا يعرف سرها وموقعها إلا رجل واحد، هو دليل الصحراء الأسطورى الراحل عم مسعود أبو ريشة، هذا الرجل كان "بوصلة الصحراء" التى تلجأ إليها شرطة السياحة والمباحث لإنقاذ المفقودين، والملجأ الأول للأفواج السياحية، عم مسعود الذى وهب الصحراء أكثر من ثمانين عامًا من عمره، وطاف بفضلها بلادًا شتى عبر صحراوات السعودية وليبيا والسودان، كان دائما ما يروى أسرار تلك الآثار التائهة التى يستأثر بها، فهو الوحيد الذى كان يعلم أسرار مكان الكنزين اعين أمورب واعين أم دياديبب، اللتين تقعان على بعد ٧٥ كيلومترًا فى أحشاء الصحراء خلف الخارجة، تُحيط بهما الجبال الشاهقة والرمال الغامرة والصخور الحادة التى لا ترحم، وإذا تعطلت بنا سيارة وحيدة فى هذا القيظ، فالموت هو المصير الحتمى.

بعد ساعات من انطلاق رحلتنا، كان علينا أن نشق طريقنا بسرعة، فالأرض هنا شاسعة تتناثر عليها قرى الخرطوم، عدن، عمان، صنعاء، وناصر،  وكلها حواضر تبعد عن واحة الخارجة بعشرات الكيلومترات، وعلى بعد ١٨٠ كيلومترًا، تلوح فى الأفق "واحة باريس"، لن نصل إليها بحرًا بالمعنى المعهود، لكننا سنعبر بحرًا من نوع آخر، بحر الرمال الأعظم فى قلب الصحراء، طُرق مرصوفة، لكن هناك ذرات رمال دقيقة تذروها رياح الصحراء العاصفة لتغطى زجاج الرؤية.

وفى طريقنا إلى قرية باريس وعلى ربوة عالية تشرف على الأفق، نجد "يوتوبيا" معمارية لم تكتمل، لكنها ظلت شاهدة على عبقرية الفكرة، إنها قرية "حسن فتحى"، التى بدأ العمل فيها عام 1963 حين عاد شيخ المعماريين العالمى إلى مصر استجابة لدعوة وطنية صادقة من الرئيس جمال عبد الناصر، التى نقلها إليه وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة، كان عبد الناصر يحلم بتطوير نمط عمارة وطنى خالص، ينبت من طمى النيل وتراب الصحراء ليعبر عن روح الشعب ومبادئ اثورة يوليوب، تجسدت الرؤية فى هذه القرية التى خطط لها حسن فتحى بضم مدرسة، وفيلات، وسوق تجارى، ومسرح، ومسجد، وحتى مهبط للطائرات، ورغم توقف العمل بالمشروع بعد عامين فقط من انطلاقه، إلا أن وزارة الثقافة حاولت إحياء المشروع لكن لم يتحقق حتى الآن حلم حسن فتحى.

السر المعمارى فى هذه القرية البديعة التى تبعد عن الخارجة 85 كيلومترًا  يكمن فى مادة بنائها، حيث استخدم حسن فتحى "الطَفلة"، وهى طين صحراوى خاص يصنع فى الأودية والواحات، وبطراز بيئى خالص، نجح المعمارى العظيم فى ترويض الطقس، مُحققًا تحكمًا طبيعيًا فى درجات الحرارة يؤدى لخفضها بمقدار يصل لـ15 درجة مئوية بدون أى تكييف صناعى، فى منطقة تلفحها الشمس وتصل حرارتها صيفًا لـ50 درجة مئوية!

الغرود أسطورة الرمال الجائعة

للواحات وجه آخر، وجه مُخيف يُسمى اغرود الرمالب إنها تلك الكثبان والتلول الهلالية السائلة والمُتحركة التى لا تعرف الاستقرار، تتقدم بناموس طبيعى دائم نحو الجنوب، كأنها جيوش من الغزاة الصامتين، خطرها عظيم، وسلاحها فتاك موجه لصدور المزارعين وبيوتهم، فكم من بلدة كاملة طُمست معالمها، وكم من نخلة بُتر عمرها، وكم من طريق رُدم تحت أقدام هذه الغرود المُتماوجة كالبحر الهائج، والتى يرتفع بعضها.

هُنا فى قرية جناح تُروى الحكايات عن الموت الصامت للغيطان وسوس النخيل، هذه ليست لوحة مرسومة بريشة خيال سريالى، بل هى الطبيعة العارية للواحات حين تكشر عن أنيابها، على أرضها يتداخل الزمان والمكان ليغزل قصة بقاء مريرة، سلاحها العصا، وعدوها بحر أصفر لا يشبع.

فى قرية جناح اقتربت من جزيرة خضراء وسط الرمال، حيث الجمال المُذهل فى أشجار النخيل، والخُضرة الشاسعة، بينما تخترق هذه اللوحة البديعة ألواح الطاقة الشمسية لكل غيط، هذه الطاقة هى التى تُشغل مواتير رفع المياه من باطن الأرض.

يُرحب بنا سالم سليم صاحب الجزيرة، ملامح وجهه تحكى تجاعيد السنوات من التعب، يُقابلنا بابتسامة أهل الواحة الطيبين، ويأخذنا فى جولة داخل غيطانة اليافعة الخضراء، يقف أمام نخلة بلح وقلبه يعتصر حزنًا، فقد ماتت بعد أن التهمها السوس، ويقول لنا: االسوس قتل سبع نخلات، ومُنتشر فى كل الغيطان، ومُديرية الزراعة علمت بموضوع سوسة النخل، وقامت برش النخل لكن دون جدوى، ويؤكد سالم أن النخلة فى حالتها الطبيعية تُنتج ٦ صناديق بلح، وزن الصندوق الواحد  ٢٨ كيلو جراما تقريبًا.

مؤرخ تاريخ الواحات الراحل آدم حسونة كان يحكى فى مؤلفاته: انحن هنا لا نرى جمادًا بل نلمس ونشاهد ونحس بكائن حى يتحرك بوعى جهنمى يشبه الأخطبوط، تقف طفلة صغيرة على عتبة بيتها، بينما غرد الرمال بهلاله الشائه يحتضن المنزل كأذرع أخطبوط يلتف حول فريسته ببطء قبل أن ينقض عليها ويمزقها، هذا أبلغ تشبيه أدبى لقصة الرمال الجائعة، وهى حكاية يتوارثها الأبناء.

وروى آدم حسونة: فى مؤلفاته اعندما كنت صبيًا يافعًا كان جدى يأخذ بيدى ويقف بى عند أشجار الأثل التى تمتد بحذا حقلنا الأخضر، يُشير بيده المعروقة نحو الأفق ويقول بصوت متهدج: يا بنى.. هذه الرمال الصفراء التى تراها وادعة الآن، هى التى أكلت قرية آبائى عساكر الرمل، ثم يبدأ الجد فى سرد الكابوس: اكانت قريتنا القديمة واحة غناء، تُحيط بها الأشجار النضرة من كل جانب، ومن ورائها تنام الصحراء، وذات صباح، استيقظنا لنجد الرمال الصفراء قد التفت بجذوع الأشجار كالحلقات الضيقة، كنا ساذجين، لم نُدرك حينها أن حلق الرمال أقوى من حلق الحديد، بدأت الصحراء بـتكبيل حراس القرية (الأشجار) قبل أن تبدأ عملها الجهنمى الأكبر، ولم يُبالِ الأهالى بتلك الدوائر الصفراء التى تتسلل حول الجذوع كالأفاعى، فقد كانت زهور الحقل لا تزال تزهو بألوانها الحمراء والصفراء والبيضاء فوق أرضية خضراء ريانة، لكن صحونا فى صباح اليوم التالى فرأينا الرمال قد سدت قنوات الرى وطمست عيون الآبار تمامًا، بدأ الرمل يعمى أبصارنا، فأغلقنا كل نافذة وأحكمنا رتاج كل باب، لكن الرمال ظلت تنفذ إلينا كأنها أشباح تخترق الجدران المُصمتة! لم نعد نستنشق هواء، بل كنا نغرق فى بحر سائل من الغبار، ووسط عويل وصفير الرياح المُرعب، كنا نسمع بوضوح صوت انهيار البيوت، وتُقصف جذوع النخيل.

فى تسعينيات القرن الماضى فى رحلة مُشابهة إلى واحة الخارجة سجلت عدسة آخرساعة مشهدًا ليس سينمائيًا يفيض بالرومانسية والنضال معًا لأطفال المدارس بالواحة وهُم عائدون بعد يوم دراسى شاق، يحملون حقائبهم الصغيرة على ظهورهم النحيلة، ويتسلقون تلك الكثبان الرملية الوعرة للوصول إلى منازلهم، يسيرون بلا خوف، وبإصرار عنيد يستذكرون دروسهم فوق رمال ناعمة تختبئ فى جوفها الزواحف المُميتة والأفاعى، لكن براءة الطفولة تظل نابضة، وإذا كانت الرمال ابتعدت أو غيرت مسار طريقها بسببها، فهى تتسلل إلى القرى المجاورة، فى قُرى اجناحب وبباريسب وغيرها من القرى المُترامية فى الصحراء.

طوال هذه الرحلة المُخيفة والمُمتعة كان ثمة سؤال يلح علينا اكم تبلغ سُرعة هذه الرمال؟، المهندس أحمد أبو العلا المُتخصص فى أبحاث الكثبان الرملية قال لـآخر ساعة فى التسعينيات: االدراسات السابقة عن الغرود الرملية جاءت مبتورة، لأنهم لم يدرسوا هذه الجغرافيا الشاسعة بنظرة شمولية، إن تشكل الغرود ظاهرة جغرافية مُعقدة، وقد أكدت دراسة منظمة الفاو أن سلاسل الغرود الرملية تأخذ شكلًا هلاليًا، حيث يتجمع الرمل ليصبح السيف حادًا تجاه الشمال، وتكون الحدوة جهة الجنوب، وهى تتحرك دائمًا من الشمال إلى الجنوب، وتتراوح سرعتها بين ٨ لـ٣٠ مترًا فى العام، بمتوسط ٢٠ مترًا، وتتوقف السرعة على حجم الغرد وارتفاعه.

 

"السندادية" الرماد الأخير لأعظم الدروب

هناك فى وقت العصارى تجلس السيدات يفترشن الأرض ويداعبن جريد النخل بأصابعهن المعروقة ليصنعن منه مقاطف الخوص، ذاكرتهن حديدية رغم كبر سنهن،تالحاجة بخيتة أكثر من ٨٠ عامًا تأخذنا إلى زمن بعيد، يوم كان مهرها خمس كيلات من القمح ومثلها من الشعير، وزفت إلى زوجها وهى طفلة فى الثامنة، حتى إنها كانت تهرب لتمرح مع أطفال القرية فتعيدها أمها معاتبة فترد ببراءة الطفولة: أنا بلعب مع العيال.

هناك فى الخارجة مات الدرب، وظل البيت مرابطًا كحارس المقبرة، بينما تهاوى درب السندادية التاريخى العريق وتدمر بالكامل تحت وطأة الأيام، يقف هناك فى قلب االخارجة القديمة منزل أسطورى واحد، صامدًا كطود شامخ يتحدى الفناء رغم مرور أكثر من 600 عام على غرس لبناته الأولى فى الأرض، هذا البيت ليس جدرانًا من طين، بل هو المحبس الأخير لعبق أجداد الواحات من الجيل العاشر، الذين تعاقبت أنسالهم هنا، فتنفسوا هواءه وتركوا بصماتهم على جدرانه، إنه الأثر الأخير المُتبقى من درب السندادية، ذلك الشريان الذى كان يضج بالحياة والحركة منذ عهد الرومان وصولًا إلى العثمانيين.

يختزل هذا المنزل عبقرية االطراز لواحاتى القديم الذى ولد مع غروب العصر الرومانى ومطلع الفجر الإسلامى فى مصر، لقد تحول اليوم إلى مزار تراثى تسافر إليه العيون،ت فهو مبنى بنظام هندسى مُحكم من أربعة طوابق، ويضم غرفًا صغيرة الحجم لكنها بارعة التهوية بفضل منافذها الذكية التى تطوع الرياح لخدمة القاطنين.

ويصف محمود عبدربه الباحث فى تاريخ الواحات، هذا الصرح التاريخى قائلًا: ايبدأ المشهد من مدخله الفريد، وهو ممر طويل مُغطى بسقيفة طينية كانت تتفرع منه منازل الدرب ومسالكه. المنزل صُنع بالكامل من عظام الواحة الطوب اللبن، الجريد، خشب الدوم، وجذوع النخيل ورغم مرور القرون، جرت له عمليات ترميم دقيقة ومُخلصة باستخدام الطين والأخشاب المحلية، ليظل مزارًا نابضًا بالتاريخ يجذب أبناء المحافظة والسياح الذين يأتون لملامسة زمن لم يمت تمامًاب.

أما الدرب نفسه ادرب السندادية الأثرىب والذى سُمى نسبة إلى عائلة االسنداديةب أقدم وأعرق عائلات الخارجة فقد كان يمتد على طول 500 متر من التيه المعمارى العبقرى، كان دربًا ضيقًا، مُتعرجًا، مسقوفًا بالجريد وخشب الدوم، ومُصممًا بذكاء نادر يجعل درجة الحرارة مُنخفضة كالنسمة صيفًا، ودافئة كالحضن شتاءً، صُممت حاراته الفرعية الضيقة وحجراته المُخصصة لطحن الغلال وأفرانه القديمة بطريقة دفاعية مُحكمة، زوارق وممرات ضيقة شُيدت خصيصًا لحماية السكان من أى هجوم مُباغت أو سطو مُسلح للصوص الصحراء.

شواطئ بحر الرمال مصيف من نوع آخر 

سُكان الواحات لا يهربون من جغرافيتهم بل يروضونها، وإذا كانت الشمس خصمهم بالنهار، فإن الصحراء تصبح ملاذهم وصديقهم الأوفى بالليل، يغسلون فوق رمالها تعب اليوم، ويغرسون فى قلوب أطفالهم حب الأرض الناعمة التى استضافت أجدادهم منذ آلاف السنين. واحة من السحر الخالص، حيث تولد الحياة من رحم السكون، ويتحول الصيف من صخب الشواطئ الزرقاء المُعتادة إلى طقس إنسانى دافئ وضارب فى القدم.

فى الوقت الذى يوجه فيه مُعظم الشعب وجوههم شطر الساحل الشمالى والمحافظات الساحلية، بحثًا عن رطوبة الموج وزرقة المدى، يبتكر سكان الواحات فى الوادى الجديد طريقتهم الخاصة جدًا فى الاستمتاع بالصيف، مصيف بلا شاطئ بحر، وبلا نيل، لكنه يتكئ بكبرياء على شواطئ من نوع فريد شواطئ بحر الرمال العظيم.

حين تشرق الشمس فوق الواحات، تبسط سطوتها بقسوة لا تعرف اللين، تلتهب رمال الصحراء وتتحول الحرارة النهارية إلى جمر لافح يُجبر كل كائن حى على الانكفاء.

فى تلك الساعات، تفرض الطبيعة حظر تجوال اختياريا، فتجد الشوارع خالية تمامًا من المارة، والمحلات مُغلقة بإحكام، وكأن الحياة قد غادرت المكان أو نامت نومة أهل الكهف، صمت مُطبق يلف البيوت الطينية والحديثة على حد سواء، لا صوت يعلو فوق صفير الرياح الجافة، إنها طقوس الترقب بانتظار الخلاص.

وما إن تدق الساعة العاشرة مساء، حتى تنقلب آية السكون صخبًا جميلًا، تنكسر حدة الجمر، وتتحول الصحراء فجأة إلى واحة من النسمات العليلة التى تشفى الصدور. هُنا، تبدأ الهجرة اليومية المُعاكسة حيث تخرج العائلات بأكملها، آباء وأمهات وأطفال، يتركون جدران البيوت الخانقة ويتجهون صعودًا نحو قلب الصحراء الشاسعة، بعيدًا جدًا عن خطوط المواصلات وصخب المُدن المعهود.

يقول محمد معتمد، من أهالى الواحة: "يجتمع الرجال فى حلقة دافئة حول موقد النار البدائى، يلتفون فى عتمة الليل الصحراوى ليصنعوا بأيديهم بهجة ليلتهم، يوقدون الحطب، وتتوهج ألسنة اللهب مُحتضنة قطع اللحم على الشوايات البسيطة، بينما يتصاعد الدخان مُحملًا بنكهة الطزاجة وبساطة العيش، فى مشهد يجمع بين بدائية الفكرة وروعة المنظر وأناقته الإنسانية".

فى هذه المساحات المفتوحة التى لا تحدها أسوار، يسترد الأطفال حريتهم المسلوبة نهارًا، تفترش العائلات الأرض، وتتحول الكثبان الرملية الناعمة إلى ملاعب شاسعة وآمنة، وبشكل مُدهش، ينطلق الصغار ويركضون ويمرحون فوق تلك التلال دون أى ذرة خوف من زواحف الصحراء أو عقاربها؛ فالرمل البارد ليلًا يطرد الهوام، ويمنح الصغار أمانًا دافئًا يفتقده أطفال المدن الأسفلتية.

وتتجلى هذه البراءة الفطرية فى أبهى صورها حيث نرى طفلة صغيرة تلهو بملابسها الوردية المُبهجة وتداعب قطة سوداء صغيرة مُمتلئة بالحيوانية والألفة وسط نقوش الرمل، وفى مشهد آخر وثقته عدسة "آخر ساعة" يظهر طفل صغير بملابسه ذات اللون الفستقى الهادئ، يحبو ويتحرك بكامل حريته على حافة الممشى المُتاخم للرمال، يكتشف الحجارة الصغيرة والرمال الناعمة، بينما يبدو فى الأفق البعيد والداه يراقبانه باطمئنان وسكينة تخيم على المكان بأكمله.

وتقول لنا هاجر محيى، من سيدات الواحة: "بينما يتحلق الرجال حول النار لإتمام مراسم الشواء، نقف نحن الأمهات والسيدات كحارسات حقيقيات لدفء هذه التجمعات، حيث نتجمع فى حلقات نسائية نرتدى العباءات الواحاتية الساترة، ونفترش الأرض فى هدوء، ونتبادل الأحاديث الودية، ونُجهز مُستلزمات الطعام، بينما تتدلى أطراف عباءاتنا فوق الرمل الذى تحول تحت أقدامنا لبساط حريرى من الذهب الخالص".

إنه مشهد بدائى فى أدواته، لكنه أسطورى وسريالى فى مشاعره، حيث تلتقى العائلات لتصنع من أبسط المكونات نارا، ورملا، وحطبا، ولمة عائلية ومصيفًا يتفوق ببساطته ونقائه النفسى على أفخم مُنتجعات السواحل المُزدحمة.

اقرأ  أيضا: مشروعات «التنمية المستدامة» تنعش قرى ونجوع مطروح