الدرس الأهم من ثورة ٣٠ يونيو أن الشعب المصرى، رغم تنوعه واختلاف توجهاته السياسية والفكرية، يمتلك «بوصلة وطنية» لا تخطئ الاتجاه، عندما يتعلق الأمر بحماية الدولة والحفاظ على هويتها ومؤسساتها، وأثبتت الأحداث أن المصريين قد يختلفون حول الأشخاص والسياسات، لكنهم يتفقون على ضرورة بقاء الدولة قوية ومتماسكة، ويرفضون أى محاولة لتغيير هويتها الثقافية والاجتماعية.
اصطدمت محاولات أخونة الدولة بجدار صلب من الرفض الشعبى، الذى رأى فى مؤسسات الدولة صمام الأمان لاستمرارية الوطن وحماية وحدته، وأدرك المصريون أن وصولهم للحكم، ليس صكًا على بياض للانقضاض على الدولة وتخريبها.
وترتبط الشرعية السياسية، فى نظر المواطن المصرى، بالقدرة على تحقيق الأمن والاستقرار، وتوفير حياة كريمة للمواطنين، والحفاظ على مكانة الدولة وكرامتها فى الداخل والخارج، وعندما شعر المصريون بأن هذه الأهداف تتعرض للخطر، جاءت ثورة ٣٠ يونيو تعبيرًا عن إرادة جماهيرية لاستعادة التوازن وتصحيح المسار.
وكشفت الأحداث أن المصريين لا يقبلون بسياسات الإقصاء أو الاستعلاء، ولا بمحاولات تقسيم المجتمع إلى فئات متعارضة على أسس أيديولوجية، أو احتكار الوطنية والدين لصالح فصيل بعينه، ومن هنا يمكن فهم أسباب السقوط السريع لجماعة الإخوان، وأهمها فشلها فى التحول من عقلية «الجماعة» إلى فكر «الدولة»، وهو ما خلق فجوة واسعة بينها وبين المجتمع والنخب الوطنية.. ولم تسعَ إلى بناء شراكات حقيقية، بل دخلت فى صدامات متتالية مع القضاء والإعلام والشرطة والمؤسسة العسكرية.
وزاد من حدة الأزمة، اعتقاد الجماعة أنها تمتلك تفويضًا مطلقًا لتغيير الهوية الدستورية والاجتماعية للبلاد، متجاهلة حقيقة راسخة فى الحياة السياسية المصرية، وهى أن الشارع المصرى يظل دائمًا قادرًا على فرض إرادته، عندما يشعر بأن الدولة أو المجتمع يتعرضان للخطر، فكان خروج الملايين ضرورة لإنقاذ البلاد من الضياع.
وسقطت الجماعة أيضًا لأنها لم تدرك طبيعة المجتمع المصرى فى التعايش والتسامح والاعتدال، فمصر لم تعرف عبر تاريخها صراعات مذهبية حادة، والمصريون بطبيعتهم يرفضون التطرف والانقسام، ولم يتقبلوا محاولات الاستقطاب، وتحويل الخلاف السياسى إلى صراع بين أبناء الوطن الواحد.
وكشف عام حكم الإخوان عن أكاذيب عديدة، فى الخطاب الذى قدمته الجماعة لعقود طويلة، وتزييف كثيرًا من الروايات التى روجت لها، وتزايد الشعور بأن مصالح التنظيم أصبحت مقدمة على مصالح الوطن.
وكان سقوط الإخوان نتيجة طبيعية ،لأخطاء متراكمة فى الإدارة والسياسة والخطاب، فقد سعوا إلى الصراع بدلًا من التنافس، والهيمنة بدلًا من الشراكة، ولم يدركوا أن الشعب المصرى لا يمكن أن يتحمل تكلفة مشروع، يهدد تماسك الدولة ووحدة المجتمع.. وجاءت ٣٠ يونيو لتؤكد أن إرادة الشعوب أقوى من أطماع الجماعة، وأن الدولة أكبر من أى تنظيم، وأبقى من أى مشروع، يسعى إلى اختطاف الوطن.

عمرو الخياط يكتب: لحظات الانتماء
جلال عارف يكتب: طريق «الرباعية».. وأوهام إسرائيل
30 يونيو .. وإنجاز المونديال





