هناك لحظات تتجاوز فيها كرة القدم حدود المستطيل الأخضر، لتصبح حالة وطنية يعيشها شعب بأكمله. هذا ما حدث مع الأداء المتميز للمنتخب المصرى، حيث لم يكن الانتصار مجرد نتيجة فى مباراة، بل كان مناسبة أعادت إلى المصريين شعورًا جميلاً بالانتماء، ورسخت حقيقة أن هذا الوطن ما زال قادرًا على أن يجتمع حول حلم واحد وفرحة واحدة.
فى تلك الساعات، اختفت كثير من الاختلافات، التى تفرضها الحياة اليومية، ولم يعد أحد يسأل عن انتماء سياسى أو اجتماعى أو اقتصادى، فالكل كان يرتدى اللون نفسه، ويردد الدعاء نفسه، وينتظر الهدف نفسه. كانت مصر كلها فريقًا واحدًا، وجمهورًا واحدًا، وقلبًا واحدًا.
ولعل أجمل ما كشفته هذه التجربة أن المصريين، رغم ما يحيط بهم من تحديات وضغوط، لا يزالون يمتلكون قدرة فريدة على الالتفاف حول كل ما يرفع اسم وطنهم. فما إن ظهر المنتخب بصورة مشرفة، حتى تحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى ساحات للدعم والفخر، وامتلأت البيوت والمقاهى والشوارع بالأعلام والهتافات، وكأن الجميع يستعيد جزءًا من ذاكرته الوطنية، التى تؤكد أن الفرح الجماعى لا يزال ممكنًا.
إن الشعور الوطنى لا يُصنع بالشعارات وحدها، بل تصنعه المواقف التى تمنح الناس سببًا للفخر. وعندما يرى المواطن أبناء بلده يقاتلون بإخلاص، ويبذلون أقصى ما لديهم، فإنه يشعر بأن اسم مصر يُكتب بحروف من العزيمة والإصرار، حتى إن اختلفت النتائج فى النهاية. فالأداء المشرف يبقى قيمة فى حد ذاته، لأنه يعكس شخصية أمة لا تعرف الاستسلام.
ولم يكن لافتًا فقط ما قدمه اللاعبون داخل الملعب، بل أيضًا حالة الالتفاف الشعبى التى أحاطت بهم. فقد أثبت المصريون مرة أخرى أنهم يملكون رصيدًا هائلًا من الانتماء، ينتظر فقط مَن يوقظه ويمنحه سببًا للظهور. وهذا الرصيد هو أحد أهم مصادر قوة الدولة، لأنه يعزز الثقة، ويغذى روح العمل، ويؤكد أن النجاح الحقيقى قادر دائمًا على جمع الناس حول هدف مشترك.
إن الأمم تحتاج بين الحين والآخر إلى لحظات تذكرها بما يجمعها أكثر مما يفرقها، وما حدث مع المنتخب الوطنى كان واحدًا من تلك اللحظات النادرة. فقد أعاد إلى الواجهة قيمة الانتماء، وأثبت أن مصر، بكل تنوعها، تستطيع أن تتوحد عندما يكون اسمها حاضرًا فى المحافل الدولية.
ويبقى الدرس الأهم أن الاستثمار فى النجاح، أيًا كان مجاله، هو استثمار فى الروح الوطنية نفسها. فكل إنجاز يحققه أبناء هذا الوطن، فى الرياضة أو العلم أو الثقافة أو الاقتصاد، يضيف لبنة جديدة فى بناء الثقة، ويؤكد أن مصر ستظل أكبر من أى خلاف، وأن أبناءها، حين يجتمعون على حبها، يصنعون أجمل صور الوحدة الوطنية.

٣٠ يونيو والبوصلة الوطنية
جلال عارف يكتب: طريق «الرباعية».. وأوهام إسرائيل
30 يونيو .. وإنجاز المونديال





