من الآخر

30 يونيو .. وإنجاز المونديال

د.أسامة أبوزيد
د.أسامة أبوزيد


دائمًا هناك لحظات فارقة فى تاريخ الشعوب لا يمكن نسيانها وتأثيرها لا يقتصر فقط على المجال السياسى وإنما تمتد لتشكل فلسفة دولة ورؤية لمستقبلها فى مختلف القطاعات..

وثورة 30 يونيو التى نحتفل بذكراها بعد أيام قليلة واحدة من تلك اللحظات التى رسخت مفهوم استعادة القرار الوطنى والاعتماد على القدرات المصرية ومنح الفرصة لأبناء الوطن لتحمل المسئولية والمشاركة فى صناعة الإنجازات ليس فقط لأنها شهدت خروج ملايين المواطنين إلى الشوارع والميادين مطالبين قواتنا المسلحة الباسلة بإنقاذ الوطن من براثن الإخوان، ولكن لأنها مثلت لحظة فارقة استعاد فيها المصريون بلدهم قبل أن تمزقها الأهواء والأطماع وتسلب القوى الخارجية مقدرات شعبها الأصيل.

السنوات تمر والوجوه والظروف تتغير لكن تبقى بعض المشاهد صعبة النسيان، فمشهد الأسر التى خرجت معًا إلى الميادين والشباب الذين حملوا الأعلام فوق أكتافهم وكبار السن الذين أصروا على المشاركة رغم مشقة الطريق .. فكان الجميع يدرك أن البلاد تمر بمنعطف استثنائي.. وأن القرارات التى تُتخذ فى تلك الأيام ستنعكس على مستقبل أجيال كاملة.

الدولة المصرية شهدت تغيرات واسعة فى مجالات عديدة  اعتمدت فى جوهرها على بناء الإنسان المصرى وإعادة الثقة فى الكفاءات الوطنية وهو النهج الذى لم يتوقف عند مشروعات التنمية أو الاقتصاد ، بل امتد إلى الرياضة باعتبارها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة ووسيلة لتعزيز الانتماء وبث روح الأمل بين المواطنين..

وجاء تصريح الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى دعا فيه إلى منح المدرب الوطنى الفرصة مؤكدًا أن مصر تمتلك كوادر قادرة على النجاح إذا توافرت لها الثقة والدعم وهو التصريح الذى أثار فى حينه نقاشًا واسعًا داخل الوسط الرياضى، خاصة فى ظل الاعتماد المتكرر على المدارس التدريبية الأجنبية والاعتقاد لدى البعض بأن النجاح لا يتحقق إلا بالمدرب «أبو برنيطة» لكن السنوات التالية أثبتت أن الثقة ليست مجرد كلمات بل سياسة يمكن أن تتحول إلى إنجازات ملموسة..

فقد جاء قرار إسناد مهمة قيادة المنتخب الوطنى إلى أحد أبناء الكرة المصرية حسام حسن ليعكس هذا التوجه وليضع أمام المدرب الوطنى تحديًا كبيرًا يتمثل فى إعادة المنتخب إلى مكانته الطبيعية على الساحة العالمية.

ورغم الضغوط والانتقادات التى صاحبت التجربة فى بدايتها تمسك الجهاز الفنى برؤيته وعمل على بناء منتخب يمتلك الشخصية والروح القتالية معتمدًا على المزج بين الخبرات والعناصر الشابة حتى جاءت المشاركة فى كأس العالم 2026 لتكون خير دليل على نجاح هذا الرهان حيث حقق الفراعنة إنجازًا تاريخيًا بالتأهل إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى فى تاريخه بعد أداء قوى وروح جماعية عكست شخصية الفريق داخل الملعب وأعادت للجماهير المصرية ذكريات الانتصارات الكبرى مؤكدة أن النجاح لا يرتبط بجنسية المدرب وإنما بالكفاءة والعمل والإيمان بالمشروع.

ولم يكن هذا الإنجاز مجرد انتصار رياضى بل حمل رسالة أعمق مفادها أن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الثقة فى أبناء الوطن، فعندما يشعر الكادر الوطنى بأن دولته تؤمن بقدراته يصبح أكثر قدرة على الإبداع وتحقيق النتائج وهو ما ظهر بوضوح فى أداء المنتخب المصرى خلال البطولة..

إن الربط بين ثورة 30 يونيو والإنجاز الكروى ليس ربطًا بين حدثين منفصلين وإنما بين فلسفة واحدة تقوم على استعادة الثقة فى الإمكانات الوطنية فكما خرج ملايين المصريين فى الثلاثين من يونيو دفاعًا عن مستقبل وطنهم وإيمانًا بقدرتهم على صناعة التغيير جاءت تجربة المدرب الوطنى لتؤكد أن الإرادة والثقة قادرتان أيضًا على صناعة النجاح فى الملاعب.

كما أن الرياضة أصبحت اليوم أحد المؤشرات المهمة على تقدم الدول ولم تعد مجرد منافسات للحصول على البطولات، بل وسيلة لإظهار قوة المؤسسات وقدرتها على التخطيط وصناعة الكفاءات .. ومن هنا فإن نجاح المنتخب المصرى فى كأس العالم يمثل انعكاسًا لمنظومة عمل متكاملة تبدأ بالإيمان بالإنسان المصرى مرورًا بتوفير البيئة المناسبة للنجاح وصولًا إلى تحقيق الإنجازات التى ترفع اسم مصر فى المحافل الدولية..

لقد أثبتت التجربة أن المدرب الوطنى عندما يحصل على الدعم والثقة والاستقرار يستطيع أن ينافس أكبر المدارس التدريبية فى العالم وأن يقود منتخب بلاده لتحقيق إنجازات غير مسبوقة وربما كانت هذه الرسالة هى الأهم لأنها تفتح الباب أمام مزيد من الاعتماد على الخبرات المصرية فى مختلف المجالات بعيدًا عن فكرة أن الحلول تأتى دائمًا من الخارج.

واليوم وبينما تحتفل مصر بذكرى ثورة 30 يونيو يحتفل المصريون أيضًا بإنجاز رياضى أعاد البسمة إلى وجوه الملايين.. وأثبت أن الثقة فى أبناء الوطن ليست مجرد شعار يُرفع فى المناسبات وإنما منهج عمل قادر على تحقيق النتائج وصناعة التاريخ ..

لقد كانت 30 يونيو ثورة لاستعادة الوطن وكان التأهل التاريخى فى كأس العالم 2026 انتصارًا جديدًا للإرادة المصرية لتبقى الرسالة واحدة عندما تؤمن الدولة بأبنائها ويؤمن الأبناء بوطنهم تصبح المستحيلات مجرد أهداف قابلة للتحقيق ويصبح النجاح نتيجة طبيعية للإخلاص والعمل والثقة.