«خلّى السلاح صاحى» ليست مجرد شعار أو جملة شعرية غناها الراحل عبدالحليم حافظ للشاعر المبدع أحمد شفيق كامل تحفيزًا ودعمًا لقواتنا خلال حرب الاستنزاف ثم رددها ملايين المصريين جيلًا بعد جيل، بل خلاصة ما تقوله البيانات الأخيرة الصادرة عن القوات المسلحة بشأن محاولات التسلل والتهريب والتحرك غير المشروع عبر الحدود المصرية، -خلّى السلاح صاحى- هنا لا تعنى إطلاق النار، بقدر ما تعنى بقاء الدولة يقظة؛ قواتها على الأرض، ومؤسساتها فى حالة استعداد، ووعى شعبها قادر على فهم طبيعة التهديد من دون تهويل، ومن دون استهانة.
الأرقام التى وردت فى بيانات قوات إنفاذ القانون وحرس الحدود لا ينبغى أن تُقرأ باعتبارها أرقامًا حدثت فى يوم واحد، ولا باعتبارها دليلًا على اختراق الحدود، هى حصيلة جهد ممتد خلال فترة، ونتيجة عمليات مراقبة وتتبع وضبط متواصل فى بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، والأهم أن من جرى ضبطهم لم يعبروا إلى قلب الدولة ولم يتحركوا بحرية داخلها، بل أوقفتهم قوات حرس الحدود عند خطوط المواجهة الأولى، وهذه هى الرسالة الحقيقية، التى يجب أن تصل للجميع: الحدود تُختبر، لكن الدولة موجودة، والاختراق يُحاول، لكن قواتها تقف له.
حين نتحدث عن الحدود الغربية والجنوبية لمصر، فنحن لا نتحدث عن شريط قصير أو نقطة يمكن حراستها بدورية، نحن أمام ما يقارب 1200 كيلو متر، ونحو 1292 كيلو مترًا من الحدود الطويلة والممتدة فى بيئة صحراوية قاسية، بمحاذاة دول شقيقة عانت سنوات من الانقسام وانتشار السلاح والجماعات العابرة للحدود، وهذا وحده يفسر لماذا تكون الأعباء مضاعفة على قوات حرس الحدود، ولماذا لا يمكن تقييم الموقف بعقلية الأرقام المجردة من الجغرافيا؟
والسؤال الأهم: هل جيران مصر يعيشون حالة استقرار كاملة؟ الإجابة واضحة، المنطقة المحيطة بنا شهدت ولا تزال تشهد حروبًا داخلية، وانهيارًا فى مؤسساتها، وانتشارًا للسلاح، وتزايدًا فى نشاط شبكات التهريب والهجرة غير المشروعة، والاضطرابات تفرض تحديًا آخر لا يقل خطورة، لأن الحدود الممتدة لا تفصل بين دولتين مستقرتين، بل تقع بجوار صراع يخلق حركة نزوح، ومحاولات عبور، وشبكات تستغل الفوضى لتحقيق الأرباح.
لهذا فإن ما تواجهه قوات إنفاذ القانون ليس مجرد أفراد تائهين فى الصحراء، بل عصابات محترفة وعابرة للحدود، تعرف طرق التحرك، وتدرس نقاط المراقبة، وتغير أساليبها باستمرار، إذا أُغلق طريق فتحت آخر، وإذا تطورت وسائل الرصد غيّرت توقيتات الحركة، وإذا اكتُشفت وسيلة تهريب ابتكرت وسيلة مختلفة، هذه مواجهة بين دولة تستخدم القانون والتكنولوجيا والتخطيط، وشبكات إجرامية لا تعترف بحدود ولا دولة ولا حياة بشرية.
بعض هذه المحاولات يرتبط بالتهريب والتنقيب غير المشروع، وبعضها يرتبط بالهجرة غير النظامية، ومصر بحكم موقعها أصبحت طريقًا مغريًا لبعض الشبكات، التى تحاول الوصول إلى أوروبا عبر مسارات صحراوية وبحرية معقدة، أحيانًا عبر المثلثات الحدودية والمناطق، التى يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية وحدها، هنا تتحمل الدولة عبئًا مضاعفًا: حماية حدودها من الاختراق، وحماية الأفراد أنفسهم من الموت فى الصحراء، أو الوقوع فى قبضة عصابات الاتجار بالبشر.
ومن أهم الرسائل أيضًا طريقة التعامل مع المقبوض عليهم، فالدولة التى تحمى حدودها لا تتخلى عن القانون، تُسجل البيانات، وتُتخذ الإجراءات، ويُعامل الأشخاص بصورة إنسانية، ثم يجرى التنسيق مع الجانب الآخر لتسليمهم وفق ترتيبات منظمة ودقيقة، هذا التفصيل ليس هامشيًا، بل يعكس الفرق بين الدولة والفوضى، الدولة تضبط وتحاسب وتحمى سيادتها، لكنها تفعل ذلك تحت سقف القانون الدولى والاعتبارات الإنسانية.
والتنسيق مع القوات السودانية فى عمليات التسليم يوضح أن الأمر لا يُدار بعشوائية أو رد فعل متسرع، هناك إجراءات، وتحقق من البيانات، وترحيل منظم، وتسليم رسمى للجانب الآخر، هذه ليست مجرد عملية أمنية، بل إدارة دولة لحدود شديدة الحساسية وسط ظرف إقليمى معقد، بما يحفظ السيادة ويمنع الفوضى ولا يحول الأزمة الإنسانية إلى أزمة أمنية أكبر.
الأرقام هنا ليست سببًا للذعر، بل دليل على حجم المجهود، الرقم الكبير لا يعنى أن الحدود تم اختراقها، بل يعنى العكس تمامًا: أن هناك مَن رصد وتحرك وضبط وأفشل المحاولة، لو كانت الحدود بلا مراقبة، لما رأينا بيانات عن الضبط، بل كنا سنرى النتائج داخل المدن والطرق والأسواق، الفارق بين الدولة اليقظة والدولة الغائبة هو أن الأولى تعترض الخطر عند الأطراف، والثانية تكتشفه بعد أن يصبح أزمة فى الداخل.
هذا الجهد لا يتم بلا كلفة، فتأمين آلاف الكيلو مترات يحتاج إلى قوات مستمرة الانتشار، ومعدات مراقبة متطورة، وطائرات استطلاع، وأجهزة رؤية ليلية، ونظم اتصالات، ووسائل نقل تناسب الصحراء، ومعلومات دقيقة، وتدريب لا يتوقف، وكل ذلك يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، المواطن قد يرى البيان فى دقائق، لكنه لا يرى آلاف الساعات من الخدمة التى سبقته، ولا الدوريات التى تتحرك ليلًا، ولا الجنود الذين يقفون فى ظروف مناخية قاسية، ولا غرف العمليات التى تتابع كل نقطة.
لهذا فإن -خلّى السلاح صاحى- لا تعنى فقط أن الجندى يبقى مستعدًا، بل إن الدولة كلها لا تنام عن أمنها، السلاح هنا هو الرادار، والمعلومة، والدورية، ونقطة المراقبة، والتنسيق بين المؤسسات، والقانون الذى يحدد كيفية التعامل مع كل حالة، وهو أيضًا الوعى الشعبى الذى لا يحوّل البيان إلى شائعة مخيفة، ولا يسمح لمَن يريدون ضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته باستغلال الأرقام وتشويه معناها.
-خلّى السلاح صاحى- إذن لها معنيان متلازمان، الأول: أن تظل القوات المسلحة والشرطة وكل أجهزة الأمن فى أعلى درجات اليقظة، لأن الخطر لا يتوقف، والعصابات لا تتوقف، والفوضى المحيطة لا تمنحنا رفاهية النوم، والثانى أن يظل الوعى الوطنى صاحيًا أمام محاولات جماعة الإخوان ومَن يتبنون خطابها فى ضرب الثقة بالدولة، وتشويه المؤسسات، واستغلال كل واقعة لبث الخوف والشك.
وهنا ترتبط قضية الحدود بما حدث فى 30 يونيو، مصر التى تقف اليوم على حدودها بهذه الدرجة من التنظيم هى الدولة، التى استعادت هويتها وقرارها من مشروع جماعة الإخوان، قبل 30 يونيو كانت مصر تسير نحو نموذج الدولة، التى تُستنزف مؤسساتها، وتختلط فيها حدود التنظيم بحدود الوطن، ويُعاد تعريف الأمن القومى وفق حسابات تنظيم عابرة للحدود، وكان استمرار هذا المسار كفيلًا بتحويل مصر إلى دولة فاشلة بامتياز، خاصة فى إقليم كان ينهار من حولها.
30 يونيو لم تكن فقط لحظة إسقاط حكم، بل لحظة حماية الدولة من أن تصبح مثل دول فقدت السيطرة على حدودها وسلاحها وقرارها، ومن دون دولة قوية ومؤسسات متماسكة، لا يمكن الحديث أصلًا عن حرس حدود قادر، أو قوات إنفاذ قانون تتحرك، أو تنسيق مع دول الجوار، أو إجراءات منظمة تحفظ الكرامة والسيادة معًا.
القوة التى تحمى مصر ليست البندقية وحدها، بل الدولة التى تعرف أين تقف، ومَن يراقب، وكيف تتصرف، وكيف تطبق القانون، والطمأنينة الحقيقية لا تأتى من الادعاء بأن الحدود بلا تهديد، بل من معرفة أن هناك تهديدات فعلًا، وأن هناك رجالًا يواجهونها قبل أن تصل إلينا.
لهذا لا ينبغى أن تخيفنا البيانات، بل أن تجعلنا نفهم حجم ما يجرى بعيدًا عن أعيننا، هناك مَن ينام؛ لأن هناك مَن لا ينام، وهناك مَن يشعر بالأمان لأن جنديًا يقف عند آخر نقطة فى الوطن، يراقب الصحراء، ويعرف أن خلفه شعبًا ودولة ومقدرات لا يجوز أن تُمس.
خلّى السلاح صاحى على الحدود، وخلّى الوعى صاحى فى الداخل؛ لأن الدولة التى استعادت نفسها فى 30 يونيو لا تحمى أرضها بالقوة فقط، بل تحميها أيضًا بوحدة شعبها وثقته فى مؤسساته وما تصدره القوات المسلحة اليوم ليس بيان تخويف، بل رسالة طمأنة واضحة: الحدود تُراقب، المحاولات تُحبط، القانون يُطبق، ومصر ليست ساحة مباحة لأحد.

٣٠ يونيو والبوصلة الوطنية
عمرو الخياط يكتب: لحظات الانتماء
جلال عارف يكتب: طريق «الرباعية».. وأوهام إسرائيل





