هوامش

النفسنة على الفيس!

حمدى رزق
حمدى رزق


«النفسنة» كلمة عامية مصرية تختصر حزمة أمراض نفسانية مزمنة وسارية، مزيجًا من حقد، وغيرة، و«المُنَفْسِن» شخص يستبطن مشاعر سلبية تجاه الآخرين، يحسدهم على النعمة التى أنعم الله بها عليهم، وتتنوع هذه النعم بين النعم الظاهرة والباطنة.

المراجع الطبية النفسانية لم تُشخِّص بعد مرض النفسنة، ولم تعتمده مرضًا يُشخَّص ويُوصَف له الدواء، ووفق المراجع الاجتماعية، النفسنة سلوك شخصى اجتماعى مركب يعكس خللًا فى الذكاء العاطفى، مصحوبًا بتدنى تقدير الذات، والغيرة، وإحباط نجاحات الآخرين، وإجهاض منجزهم، والتألّى عليهم بما ليس فيهم.

احترت واحتار دليلى فى فهم نفسية المنفسن، لا سيما مع انفجار ماسورة النفسنة على وسائل التواصل الاجتماعى، لا سيما إكس والفيس بوك، صفحات وحسابات حقيقية ووهمية، تحوى منشورات منقوعة فى السم الزعاف، مترعة بالحقد على ناجح، والغيرة من كل ناجح، تجهض كل نجاح، وتحقد على كل سعيد، وتحسد كل قانع، وتستكثر الفرحة فى عيون الصغار!

على قول الأسبان: «إذا كان الحقد من أساس، فهو الإهانة والاحتقار»، والحقد أساس النفسنة، والنفسنة تترجم إهانة واحتقارًا، ومن أسرار البلاغة فى المجاز المرسل: «إن الحقود وإن تقادم عهده، فالحقد باقٍ فى الصدور مُغَيَّب».

والغل مكون أساسى من مزيج الحقد والغيرة، والحقد من معانيه الانطواء على البغضاء، وإمساك العداوة فى القلب، والتربص بفرصتها، وسوء الظن فى القلب على الخلائق لأجل العداوة أو طلب الانتقام.

معلوم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفى فى الحال، رجع إلى الباطن واحتقن فيه، فصار حقدًا.

والحقد كما تراه الروائية الإنجليزية أجاثا كريستى، وحش مفترس، وتكتب: «إن الإنسان الضعيف قد يصبح وحشًا مفترسًا إذا أتيحت له الفرصة، وإذا كان يشعر بالحقد على الحياة والمجتمع».

والحقد مقرون بالغيرة فى المكون النفسانى، والغيرة كما يقول ميلان كونديرا (كاتب روائى فرنسي/تشيكى): «الغيرة مثل ألم الأسنان الحاد، فهى لا تدع أى امرئ يتمكن من فعل أى شىء، حتى أن يظل جالسًا، عليه أن يسير فقط جيئة وذهابًا»، هكذا يعانى المنفسن من ألم نفسانى حاد، تراه على قلق كأن الريح تحته، يكتب ويشير، ويغرد ويتوت، لا يستقر على حال هادئًا مثل مخاليق ربنا الأسوياء، نفسه الأمارة بالسوء تحفزه على الإساءة، والنفسنة كالأذية طبع.

النفسنة المقصودة فى هذا المقال تتجاوز الشخصى، ما نزدريه النفسنة على الوطن، فى كل مناسبات الوطن السعيدة هناك منفسون قاعدون على الحيطة، يتسمعون الزيطة، والمنفسن واقف كالقمة الناشفة فى الزور، فى حلوقهم غصة، يستحلبون مرارة ريقهم الجاف، النفسنة كطعام الأثيم كالمهل يغلى فى بطونهم، تناهت حرارته، واشتدت حميته، فاسودت وجوههم.

يخرج علينا فى آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، ربنا ابتلانا ببشر ما هم بشر، وما يبقى على المداود غير شر البشر، الناس الطيبون ما يعملوش كده، شذاذ الآفاق، آناء الليل يغردون على الوطن بما يعتمل فى أنفسهم من ثأر، ويشيرون أطراف النهار ما تأباه النفوس الزكية نكايةً ومكايدةً فى الوطن، وقاموسهم من سخام أنفسهم وما ينفثون غلًّا.