فى الثلاثين من يونيو، اختار شعبٌ أن يُعيد بناء دولته. لم تكن لحظةً سياسيةً فحسب، بل قرارًا بأن الحياة تستحق أن تُصان. والصحةُ فى قلب هذا القرار، لأنها أقربُ ما يلمس الإنسان: جسدُه، وخوفُه على من يحب.
لنكن صادقين مع الذاكرة. قبل عام ٢٠١٤، كانت المنظومة الصحية تئنّ. مستشفياتٌ مُتهالكة. نقصٌ مزمنٌ فى الدواء. فيروسٌ كبديٌّ يفترس الملايين فى صمت. وإحساسٌ عام بأن الدولة غائبة عن أكثر اللحظات هشاشةً فى حياة المواطن.
ثم تغيّر الكثير.
أُطلقت المبادرات الرئاسية تترى. «مائة مليون صحة« حملت الكشف المبكر إلى القرى والنجوع. خاضت مصر معركةً ضد الفيروس الكبدى حتى كادت تُخرجه من حدودها » إنجازٌ نالت عليه اعترافًا دوليًّا. تجدّدت بنيةٌ تحتيةٌ كاملة. وانطلق التأمين الصحى الشامل بوصفه عقدًا جديدًا بين المواطن ودولته: ألّا يقف المالُ حائلًا بين إنسانٍ وحقّه فى الشفاء.
هذه حقائق، لا دعاية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذى لا نهرب منه: لماذا يظل الإحساس العام غير راضٍ؟
هنا تبدأ الحكمة. ليست المفارقةُ تناقضًا، بل طبيعةُ الإنسان.
أولًا، التوقعات تنمو أسرع من الإنجاز. كلما تحسّنت الخدمة، ارتفع سقفُ ما ننتظره. مَن كان يقبل بالعلاج، صار يطلب العلاج الكريم. وهذا فى ذاته دليلُ تقدّمٍ، لا تراجع.
ثانيًا، الإنجازُ يُقاس بالأرقام، والرضا يُقاس بالتجربة. المواطنُ لا يعيش فى الإحصاءات. يعيش فى لحظةٍ واحدة: طابورٌ طويل، كلمةٌ جافة، انتظارٌ فى طوارئ مزدحمة. تجربةٌ سيئةٌ واحدة تمحو فى وجدانه مائةَ نجاحٍ لم يرَه.
ثالثًا، الوقايةُ نجاحٌ خفيّ. حين نمنع المرض، لا يحدث شيء. والمرضُ الذى لم يقع لا يشعر به أحد. أنبلُ إنجازاتنا هى تلك التى تمرّ بلا ضجيج.
رابعًا، الكرامةُ جزءٌ من العلاج. الناس لا يطلبون الدواء فقط. يطلبون أن يُعامَلوا كبشر. والطبُّ الذى ينسى إنسانية المريض يشفى الجسد ويجرح الروح.
وخامسًا، صوتُ الشكوى أعلى من صوت الرضا. حادثةٌ واحدةٌ تنتشر فى دقائق، بينما آلافُ القصص الصامتة لمن عُولج ونجا لا يرويها أحد.
فالرضا لا يُصنَع فى المؤتمرات، بل فى اللقاء اليومى بين ممرضةٍ ومريض، بين طبيبٍ وأمٍّ خائفة. يُبنى ذرّةً ذرّة، فى تفاصيلَ صغيرةٍ لا تدخل التقارير.
ثلاثون يونيو لم تكن نهايةَ الطريق، بل بدايته. الإصلاحُ مسارٌ تراكميّ، لا لحظةُ احتفال. وما تحقّق كثير، وما بقى أكثر.
والدولةُ التى تجرؤ على الاعتراف بأن مواطنها لم يَرضَ بعد، هى وحدها الجديرة بأن تكسب رضاه يومًا.


طوفان الفيسبوك.. لن ينقذك منه إلا وعيك
حرية التعبير وضوابط المسئولية
الطاقة الشمسية ومستقبل الصناعة المصرية






