ثمة فرق جوهري بين أن توفر الدولة بعض السلع الأساسية لبعض مواطنيها كمعونة اجتماعية، وبين توفيرها باعتبارها آلية سياسية واقتصادية لتحقيق الأمان السياسي والضمان الاجتماعي، وهناك مساحة شاسعة بين (الصدقة) في العمل الخيري و(الضرورة) في العمل التنموي، بين إعطاء المواطن سمكة يسد بها جوعه وبين إعطائه قارب يَعبر به عوزه وحاجته.
إن دعم وتوفير الخبز والزيت والسكر والأرز والفول والعدس لبعض أو لكثير من المصريين في دولة حضارية ومركزية كمصر، لا يمثل مجرد دعم لبعض الفئات الاجتماعية، وإنما يمثل ركيزة أساسية لمتطلبات الأمن القومي المصري في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وضرورة تنموية تفرضها التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري.
ولا يتعلق الأمر بتسمية أو مقدار أو قيمة هذا الدعم، بل بتلك العلاقة بين الدولة والمواطن التي يتحقق بها الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي، الذي بدونه لن يتحقق الرضاء الشعبي، الذي يُعد شرطًا رئيسيًا لاستقرار المجتمع، خاصة في ظل تحديات تاريخية ومستمرة فرضتها طبيعة ودور الدولة المصرية إقليميًا ودوليًا، بفعل الجغرافيا السياسية التي جعلت من مصر دولة محورية في هذه البقعة من العالم.
ولا يجب أن تتحول الدولة بالنسبة للمواطن لمجرد صراف آلي أو حارس ليلي، فالدول الحضارية تتمتع بخصوصية وصلت لدرجة "الجين الوراثي" في علاقتها بمواطنيها، تلك العلاقة ظهرت جلية في لحظات صعبة في تاريخنا الحديث، استدعى فيها الشعب المصري نفسه واستنهض عزائمه بدءًا من الاحتشاد الشعبي في ثورة 1919، مرورًا بصحوة هزيمة النكسة في 1967 واستعادة سيناء، ثم ثورة 30 يونيو 2013 دفاعًا عن هويته وتراثه وإرثه الحضاري، وأخيرًا في دعم موقف الدولة ضد مخطط تهجير الشعب الفلسطيني، والذي تعرضت فيه مصر لمخاطر على الأمن القومي ربما كانت الأخطر في تاريخنا المعاصر.
إن الدعم في صورته الحالية هو دعم نقدي بالأساس تم من خلال تخصيص قيمة مالية محددة لكل مواطن، أما مسألة توفير السلع فهذا شأن آخر ليس له علاقة بقيمة الدعم في ذاته، ولا يرتبط فقط بالظروف الاقتصادية وخطط التنمية، ولا يجب مناقشته من زاوية الموازنة العامة، بل يجب النظر له باعتباره مسألة أمن قومي تخص تلك العلاقة العضوية بين الدولة والمواطن، وقدرتها على توفير السلع الأساسية في ذاتها.
وإذا كانت تنقية قواعد بيانات المستفيدين من الدعم ضرورة لضمان تعظيم دوره في تحقيق أهدافه ووصوله لمستحقيه، فإننا أيضًا بحاجة لتوسيع منظومة السلع الأساسية التي توفرها الدولة بالسعر العادل، بما يمكنها من ضبط آليات السوق ومنع الممارسات الاحتكارية لتحقيق حياة كريمة للمصريين في ظل أسواق منفلتة وغير خاضعة للرقابة.
فتوفير الدولة للسلع الأساسية فضلًا عن كونه آلية اقتصادية للحد من أعباء الإصلاح الاقتصادي التي أثقلت كاهل المواطنين، وضمانة لتحقيق الأمن الاجتماعي في مواجهة محتكري توزيع السلع، يمثل أيضًا أحد متطلبات حماية الأمن القومي، الذي يعد الأمان الاجتماعي والرضاء الشعبي أحد ركائزه الأساسية.

شريف زرد يكتب: ولنا في الثانوية العامة أحباب
مجدي أبو الخير يكتب: استقالةُ ستارمر .. وأسئلةٌ حَيرَى!
ياسر عبد العزيز يكتب: «أبو ريدة المونديالى».. كيف زرع الروح فى جسد «مصر الكروية» مرتين ؟!





