أحمد أبو دياب يكتب: ثلاثية التمثال والمثال والإزميل

أحمد أبو دياب
أحمد أبو دياب


التمثال: لا أذكر شكلي عندما كنت حجرًا؛ ذاكرتي هي ما يتبقى بعد النحت، أحفظ ذكرياتي عند الأحجار التي لم تطلها يد المثَّال، قبل أن تمتد يده لرأسي تعبث به، ألقيت بذاكرتي لصديقي الحجر الذي ينتظر دوره ليُنحت، هكذا نحن الأحجار نتراشق بالذكريات، فنثقل بأنفسنا على كواهلنا حملًا على أحمالنا، ما أقسى الذي سيعانيه آخر حجر، سوف يحمل ذاكرة كل الأحجار ولن يجد مَن يحمل عنه ذكرياته.

المثَّال: أذكر ما حكاه لي أستاذي عن إحساس أول مَن نحت تمثالًا، حقيقة أن نشوة الخلق لا تعادلها أية مُتع أخرى، قال لي:

دقق النظر في الحجر، شاهد فيه التمثال، أزل الزوائد عنه ليخرج إليك من باطن الحجر.

الإزميل: أذكر أنني أهرب دائمًا من التفكير بالأمر كلما أوشك أن يحدث، تمنيت لو كنت أحدهما قاتلًا أو مقتولًا أفضل من كوني أنا أداة الجريمة، الحياد في حالتي خيانة وأنا ارتكبت جريمة الصمت منذ زمن.

التمثال: هذه النظرة التي يتحدث عنها هي أكثر ما لا يطيقه حجر!

المثَّال: سأجرب اليوم وأخوض تجربتي الخاصة، أثق بأنني قادر على الإتيان بما سينبهر به الناس إذا رأوه.

الإزميل: لا أريد أن أذكر أنني مغلوب على أمرى، ضميري يؤلمنى، عداوتي مع الأحجار أزلية، أنا ضمير الغائب في كل ما يحدث.

التمثال: لا أفهم مَن ذا الذي أعطاه الحق لكي يجعلنا مسوخًا، صورًا تطابق هواجس في خياله المريض وترضي ذائقته هو فقط، لو حتى أعطانا حق اختيار الشكل الذي سنكون عليه، حينها يقرر كل حجر رغبته في أن يتغير أم يريد البقاء كما هو.

المثَّال: قبل البدء أريد صورة في ذهني لشكل مختلف لم يصنعه أحدٌ من قبل.

الإزميل: أنتظر الفرصة للخلاص.

التمثال: لو تركتني كما أنا هكذا على شاكلتي لكان ذلك الإبداع الذي تلهث خلفه، ربما تكررت كل الأخيلة والأمزجة التي راودت البشر وانعكست علينا، لن تجد صورة لمسخٍ جديدٍ!

المثَّال: سأقتطع الحجر المطلوب ثم أشرع في النحت به. 

الإزميل: أعرف أنني لن أحصل على أية مكافأة منه عندما ينتهي من كل مرة ينحت فيها، إنهم يشكرون أدمغتهم وأيديهم فقط.

التمثال: أصابتني أول ضربة، كلامي لم ينتهِ بعد، اسألوا الحجر الذي بجانبي يحدثكم عني أكثر.

المثال: لأكمل عملي فالناس تنتظر مني.

الإزميل: ...