ذكرى ميلاد ورحيل «صوت النيل»

محرم فؤاد مع سعاد حسنى ونادية لطفى فى فيلم «بلا ميعاد»
محرم فؤاد مع سعاد حسنى ونادية لطفى فى فيلم «بلا ميعاد»


إذ ما أردنا أن نضيء لمطرب النيل محرم فؤاد 92 شمعة بمناسبة ذكرى ميلاده على اعتبار أنه من مواليد 25 يونيو 1934 فهذا يجوز، وإذا أردنا أن نحيى الذكرى 24 لرحيله وغيابه عنا فى 27 يونيو 2002 فهذا يجوز أيضاً، غريبة أن يُولد محرم فؤاد فى شهر يونيو ويرحل فى ذات نفس الشهر مع اختلاف التواريخ، وكل ما عاشه مطرب النيل على الأرض التى ملأها شدواً وغناء عاطفياً وألحاناً وطنية هو 68 عاماً فقط بعد صراع مع المرض فى سنواته الأخيرة، والوقت يفرض علينا أن نتذكر مطرب النيل ونحيى ذكرى ميلاده وذكرى رحيله معاً. 
ولى مع مطرب النيل محرم فؤاد حكايات كثيرة بحكم الفترة التى قضيتها قريباً منه عندما كتبت له أغانى ألبوم «لو كان الأمر أمرى» الذى جاء بمثابة نقلة نوعية فى مشواره الغنائى الطويل، أتذكره فى أهم موقف لم أره فيه من قبل عندما دخل إلى الإستديو ووضع الهيدفون على أذنيه وأشار لعمر خورشيد ومهندس الصوت ليبدأ دوران شريط الموسيقى التى سيركب عليها الصوت، ومع انتهاء لزمة المقدمة الموسيقية رأيته من خلف زجاج الكنترول والدموع تترقرق فى عينيه، خلع الهيدفون وأشار للكنترول بتوقف الموسيقى وخرج من الاستديو متجهاً نحوى وهو يقول: «أنا عايز أعرف أنت كتبت الكلام ده إزاى ؟». 
كان السؤال مباغتاً فقلت له: «يا أبو طارق انت لحنت الكلام وعشت توزيع اللحن مع عمر خورشيد وعملت عليه بروفات مع الفرقة ودلوقتى بس حسيته؟!».
 فقال: «برضوا ما جاوبتش على سؤالى!»، فقلت له كتبته يوم وفاة الشاعر مرسى جميل عزيز الذى كنت أحبه وأقدره وأحاوره فى هذه الأغنية»، هز محرم رأسه وأحضروا له كوب ليمون، وعاد للإستديو ليغنى كما لم يغنِ من قبل بمشاعر يصعب وصفها، ومع الانتهاء منها خرج ليقول لعمر خورشيد: «معلش يا عمر ها نأجل تسجيل الأغنية اللى جاية.. محتاج أرتاح شوية فى البيت للخروج من «مود» عن بقية الأغانى التانية»، إنها أغنية «حياتى وحياتك» التى يقول مطلعها: «حياتى وحياتك ساعة مدورة.. تعدى فى ثوانى سنة ورا سنة.. مين فينا يا صاحبى بيقدر ع الزمن.. وبيعرف ساعاته لا أنت ولا أنا».
وفى حفل عيد الشرطة وبحضور الرئيس السادات الذى كان يحب محرم وأغانيه، غنى محرم هذه الأغنية وفوجئ بالرئيس يشير له بإعادتها بعد أن انتهى منها فلبى الأمر الرئاسى بكل فرح، وقال لى بعد الحفل: «لن أغنى هذه الأغنية فى حفلاتى بعد، لأن لحنها وكلماتها تهزنى من الداخل بشكل لا أستطيع تحمله.. وطوال غنائى لها تقفز أمامى صورة مرسى جميل عزيز فأحزن على فراقه»! 
لم يكن ألبوم «لو كان الأمر أمرى» هو أول تعاون لى مع صوت النيل، فسبق أن كتبت أغانى فيلم «اكس علامة معناها الخطأ» القصيرة واقترحت على سمير نوار منتج ومخرج الفيلم أن يلحنها ويغنيها محرم فؤاد ويصيغ له موسيقى الفيلم التصويرية التى نال عنها جائزة المجلس الكاثوليكى، وبعد أن سجل الألحان وتنفيذ الموسيقى التصويرية التى تم تركيبها على الفيلم وقع له حادث شارع الهرم، وُوضع فى الجبس بمستشفى العجوزة، وذهبت لزيارته فوجدت عنده الموسيقار محمد عبد الوهاب ويوسف وهبى بك، سأله عبد الوهاب عما حدث، فروى محرم القصة إلى أن وصل لعبارة «ولما وصلت للرصيف المقابل ووضعت قدمى اليسرى عليه استعداداً لرفع قدمى اليمنى لم أشعر بنفسى من شدة الصدمة إلا وأنا فى المستشفي»، وبخفة ظله علق عبد الوهاب قائلاً «غلطان يا محرم.. هما مش بيقولوا كونوا من أهل اليمين.. إزاى تطلع الرصيف برجلك الشمال قبل اليمين؟»، وعلق يوسف وهبى بصوته المُميز «يا محمد.. لو حد مننا كان يعلم ما سيجرى له فلن يخرج من بيته!» 
وما أعلمه عن محرم فؤاد كثير، محرم ابن البلد الإنسان البسيط، ومحرم الملحن صاحب الصوت الرخيم الجميل، ومحرم الصديق العزيز، وسوف نروى ذلك إذا كان فى العمر بقية.