كان الله فى عون لبنان، والذى يتحمل تاريخيًا أزمات تنوء بحملها دول كبرى، حيث يعيش منذ استقلاله فى نوفمبر ١٩٤٣، ظروفًا صعبة، ويواجه تحديات ضخمة، عانى خلالها من حرب أهلية عام ١٩٧٥، واجتياح إسرائيلى وصل إلى العاصمة بيروت عام ١٩٨٢، والدخول فى مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل فى يوليو ٢٠٠٦، لم يشهد استقرارًا حقيقيًا، بل يعانى من أوضاع هشة، بعد أن تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، بين أطراف إقليمية ودولية، (وصندوق بريد) يتلقى رسائل لمن يهمه الأمر، ومع كل ذلك فإن الأزمة الأخيرة المستمرة منذ سنوات، قد تكون هى الأصعب والأعقد، والأكثر وضوحًا واشتعالًا، حيث يعانى لبنان من صراعات أطراف عديدة، أهدافها متعارضة ومصالحها مختلفة، نتوقف عند بعضها:
أولًا: الأزمة الداخلية بين المكونات السياسية اللبنانية، وعنوانها ملف سلاح حزب الله، والقبول بمسار المفاوضات الدبلوماسية بين لبنان الدولة وإسرائيل برعاية واشنطن، وأضيف إليه مسار آخر، وافقت عليه واشنطن، عندما سمحت بإشراك إيران من خلال مذكرة التفاهم، فى التفاوض نيابة عن حزب الله فى ظل تحفظ الحكومة اللبنانية على ذلك، بعد التوافق على ذكر لبنان فيه فى البند الأول ٣ مرات، فى إطار الإشارة إلى وقف كافة الأعمال العدائية فى كل الساحات، وكشف نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس عن جهد باتجاه بحث آلية لنزع سلاح حزب الله، وطالب إيران بكبح جماحه، وفيما يخص مسار واشنطن التفاوضى فهناك رفض واضح له من الحزب، حيث اعتبره نعيم قاسم زعيم حزب الله، استجابة للإملاءات الأمريكية، وخروجًا على الثوابت الوطنية، وتفريطًا بسيادة لبنان، وهدفها الإذعان والاستسلام، وقال (لا يحق لأحد أن يأخذ لبنان إلى هذا المسار، دون توافق وطنة)، ومع ذلك فقد استمرت المفاوضات منذ أشهر، وبدأت جولاتها الخمسة أمس الثلاثاء، لمحاولة تثبت وقف إطلاق النار، ومعالجة الملفات العالقة على جانبى الحدود، وستركز على ما يعرف بالمناطق التجربية، والتى تمثل نموذجًا أوليًا للترتيبات الأمنية والإدارية، التى يجرى العمل على بحثها، ضمن إطار التفاهمات الأوسع بين الجانبين، لبنان سيؤكد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، مع تعهدات من الطرفين على جدول زمنى، بانسحاب القوات الإسرائيلية، مقابل تعهد المفاوض اللبنانى بتحويل منطقة جنوب الليطانى، خالية من سلاح حزب الله، ونشر الجيش اللبنانى فى المناطق التى سينسحب منها الحزب، ومازالت الخلافات مستمرة بين الحكومة وحزب الله، مع جمود الخطة التى وضعتها الحكومة لهذا الغرض من خمس مراحل لحصر السلاح، وكان مقررًا أن تنتهى هذا الشهر، ولكنها لم تستكمل مرحلتها الثانية، ويربط الحزب نزع سلاحه بالانسحاب الإسرائيلى الكامل من كافة الأراضى اللبنانية.
ثانيًا: الصراع الإيرانى-الإسرائيلى، فكلا البلدين يستخدم لبنان كورقة فى صالحه، طهران تسعى إلى تحسين شروط الصفقة، وتتعامل مع حزب الله، باعتباره دليلًا على أن عمقها الاستراتيجى، يتجاوز حدودها، بل تستطيع من خلال استثمارها فى الحزب، تهديد العمق الاستراتيجى الإسرائيلى، بينما تل أبيب (تتفاوض بالنار) على خلفية أن ملف سلاح حزب الله، قد يكون صعبًا فى تلك المرحلة، ولكنها تسعى إلى استمرار سيطرتها على المنطقة العازلة، بعمق عشرة كيلومترات، لتوفير الحماية والأمن لسكان المستوطنات فى شمال إسرائيل، فى انتظار الظروف المناسبة للقضاء على قدرات الحزب وفق استراتيجية أوسع، تتضمن إعادة تشكيل البيئة الأمنية والعسكرية، مع تقليص القدرات العسكرية لحزب الله، وتهيئة الظروف التى قد تؤدى فى نهاية الأمر، لإنجاح الهدف الأكبر فى نزع سلاح الحزب، والحد من دوره العسكرى، بعد أن خاضت مواجهات على مدى أربعة عقود دون أن تتمكن من إخراجه من المعادلة اللبنانية.
ثالثًا: على صعيد العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، دعونا نتفق أن المرحلة الحالية هى الأصعب فى العلاقات بين البلدين، والسبب هو إدارة ملفى الحرب على إيران، ووقف إطلاق النار فى لبنان، فنحن أمام خلاف حقيقى بين ترامب ونتنياهو، بعد شهر عسل طويل، سواء فى فترة رئاسته الأولى، أو فى السنوات التى مضت من الثانية، حيث زادت فى الأسابيع الأخيرة انتقادات ترامب العلنية لبنيامين نتنياهو، وباتت واشنطن تنظر أحيانًا إلى سياسات نتنياهو باعتبارها عبئًا على أولوياتها الإقليمية والدولية، ولعل تصريحات نائب الرئيس جيه دى فانس نائب الرئيس الأمريكي، تكشف عن (سياسة خشنة)، وانتقادات نادرة، من نوعية تذكير قادة إسرائيل من اليمين الإسرائيلى المتطرف، الذين انتقدوا اتفاق إعلان التفاهم، بأن ثلثى تسليح إسرائيل من مصانع أمريكية، ومن أموال دافعى الضرائب، ودعا إلى التحرك، وفقًا لمصالح الولايات المتحدة، وقد حفلت الأيام الماضية بمحاولة (الإنحناء الإسرائيلى) أمام (العاصفة الأمريكية)، والمناورة الكلامية، دون التنازل عن الأهداف الاستراتيجية.
والغريب والمذهل فى الأمر، أن ترامب لم يكتف بكثرة اللاعبين على الساحة اللبنانية، فسعى إلى القيام بتغيرات بينهم، بإخراج إسرائيل، واستبدلها بسوريا، وطلب من الرئيس السورى أحمد الشرع، التدخل لمعالجة ملف سلاح حزب الله، وبدا الأمر كما لو كان دعوة تصفية حسابات بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة، دون إدراك أن المقترح، يفتح باب حساسيات شديدة لدى قطاعات من اللبنانيين، وسيظهر كما لو كان صراعًا سنيًا شيعيًا، تبعاته ستصل لساحات عربية أخرى، ولم يدرك ترامب حرص الشرع على الانفتاح على كافة الطوائف، وسعيه إلى علاقات طبيعية، تراعى حسن الجوار، بعيدًا عن فكرة التدخل التى ترسخت من الوجود السورى فى ثمانيات القرن الماضى، ومن بعده الإيرانى، عبر حزب الله، كما أن ظروف سوريا نفسها، لا تسمح لها بمثل هذا الدور، فهى تبحث عن حالة استقرار داخلى، ونسج علاقات مع العالم والجوار العربى والإقليمى، واستلزم الأمر خروج الشرع إعلاميًا، للرد على مقترح ترامب بالرفض وقال (إن هناك حلولًا أخرى غير الحرب، للتعامل مع ملف حزب الله)، وقال (إنه لا يمانع من الجلوس مع الحزب على طاولة الحوار، إذا كان هذا يحقق مصلحة البلدين، ولكنه أكد أن دمشق لا تنوى إلا الخير للبنان، والدور السورى إذا حدث سيكون إيجابيًا.
وهكذا، فمصير لبنان، متوقف على التفاهم بين إيران وواشنطن، وقدرة الأخيرة على ضبط السلوك الإسرائيلى الجامح وغير المنضبط .

أسطورة البقرة الحمراء !
الباحثون عن الفرحة
وماذا بعد تقرير رويترز ؟





