خير راغب يكتب : تجربة يوليو.. من«journalist» الي «editor» 

خير راغب
خير راغب


عندي قناعة راسخة بأن مهنة الصحافة المصرية، منذ أن تبلورت ملامحها في شكلها الحديث في نهايات القرن الـ19، وهي تمتلك قدرة ذاتية عجيبة على التجدد والبعث من داخلها بأيدي روادها وصناعها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن دور الدولة ـ بمؤسساتها التنفيذية والبرلمانية والقضائية ـ لا يأتي ليقيد هذه الحركة، بل ليضع الضوابط والأطر التنظيمية التي تحمي هذا الكيان الصحفي العريق.
انطلاقًا من هذا، أجدني مشجعاً ومسانداً بكل قوة لأي تجربة صحفية جديدة تتسم بالجدية والاحترام؛ إذ تمثل هذه التجارب دليلاً حياً على أن الصحافة المصرية ما زالت تنبض بالحياة والتطور، رغماً عن حالة الاضطراب الراهنة التي تخيم على المشهد. هذا الاضطراب الذي يعود بالأساس إلى عدم قدرة المؤسسات الصحفية الحالية ـ بمختلف تصنيفاتها الحكومية والخاصة والحزبية ـ على صياغة معادلة متوازنة تجمع بين المحتوى الصحفي، الجدوى الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية والبشرية. 
لقد وقفت هذه المؤسسات كمن يقف في منطقة رمادية، حائرةً بين هيبة النسخة المطبوعة والإعصار المتسارع للتحولات الهائلة في أنماط الصحافة الإلكترونية، عاجزةً عن استثمار العوائد الاقتصادية الضخمة، ليس فقط تلك القادمة من المنصات الدولية المانحة مثل «جوجل» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، بل وحرمان نفسها من التوسع الهائل في سوق الإعلانات الإلكترونية الواعد في مصر والعالم.
​وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تأتي تجربة إصدار منصة «يوليو» للزميل «خالد صلاح»، لتشكل طوق نجاة وفرصة ذهبية للمؤسسات الصحفية المصرية بمختلف ملكياتها، للوقوف على إجابة السؤال المصيري الذي تأخر طرحه ربع قرن كامل: كيف نتطور ونصل إلى تلك المعادلة الصعبة؟
​والحقيقة التاريخية تؤكد أن «خالد صلاح» يعد من رواد المهنة الذين يمتلكون رؤية ثاقبة ومغايرة، تسير على خطى العظماء الذين أحدثوا هزات إيجابية في بنيان الصحافة؛ تماماً مثلما فعل «علي ومصطفى أمين» بتأسيس دار «أخبار اليوم»، وكما فعلت الرائدة «فاطمة اليوسف» بإصدار «روزاليوسف»، وصولاً إلى العصر الحديث الذي شهد طفرة جريدة «المصري اليوم»، وما تلاها من إصدارات ورقية تركت بصمة واضحة مثل «الشروق» و«الدستور».
​لقد كان لتجربة موقع «اليوم السابع» السبق في إطلاق المواقع الإلكترونية بمفهومها الشامل. واليوم، ومع التطور المتسارع وانصهار أنماط الصحافة الإلكترونية في منصة موحدة تقدم سائر فنون العمل الصحفي والإعلامي، تبدو هذه المحاولات بمثابة الشباك الجديدة لجذب القارئ والمعلن الذين هجروا الصحافة الورقية بلا رجعة. 
ورغم حالة الارتباك التي نمر بها جميعاً لأسباب متباينة، إلا أننا نلمس بوضوح تحركاً جاداً من المؤسسات الصحفية التقليدية، سواء الحكومية أو الخاصة، للتكيف مع هذا الواقع الصحفي الجديد.
​بناءً على ذلك، تطل علينا تجربة «يوليو» بظهور لافت يحاكي الإبهار الهوليودي نتابعه بشغف من خلال النشر والبث التجريبي، وهو ما يؤكد أننا أمام نموذج يقترب بشدة من الصحافة في ثوبها العصري؛ حيث تندمج الكلمة المكتوبة مع الصورة الحية ومقاطع الفيديو داخل قصة صحفية متكاملة متعددة الأبعاد «مالتي ستوري»، بجيل جديد من الشباب مطعم بخبرات من الصحفيين علي سبيل المثال فتحية الدخاخني وسناء عبد الوهاب لهم مني كل التوفيق .
​ومع كل هذا الزخم، تظل التخوفات والمخاوف التي أثارها الزملاء الصحفيون مشروعة تماماً، بل إنني أشاركهم إياها قلباً وقالباً؛ فالسؤال الملح هنا: هل ستحافظ منصة «يوليو» على كينونة الصحفي وقيمته، أم ستحوله مجرد «محرر» ترس في آلة يعيد صياغة النصوص التي تنشر أو تذاع؟ وهل سيتراجع دور واسم الصحفي البشري أمام جبروت الآلة الإلكترونية؟ هل ستختفي المسميات العريقة مثل «جورنالجي» و«صحفي» ليكون «الذكاء الاصطناعي» AI هو السيد والمحرك الأول لمصادر المعلومات؟
​ختاماً، ورغم كل هذه الهواجس المشروعة، فإنني أرى في منصة «يوليو» ما يشبه «البوصلة»، والتجربة الحقيقية الملهمة للصحافة المصرية، لكي تجد الحل السهل في التطوير وضخ الاستثمارات الذكية، وبما يضمن لها الحفاظ على انتشارها، وتأثيرها، وتحقيق العوائد الاقتصادية المرجوة، مستندة في ذلك كله إلى ثروتها البشرية من الصحفيين الأكفاء، وبنيتها التحتية، وعلامتها التجارية العريقة.
    •    مدير تحرير بالمصري اليوم