بالشمع الأحمر

ثقافة المهاترات

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى



تحوّلت الحقيقة إلى عملة صعبة، بعد أن احتلت وجهات النظر مواقع الصدارة، واختلط الرأى بالمعلومة، وصار الحياد فريضة غائبة.
طبيبة شابة أطلقت منشورا صادما، عن انتهاكات فى قسم النساء بمستشفى الشاطبى، وانقلبت الدنيا ولم تقعد، بعد تداول المنشور بكثافة. على طريقة القنابل الانشطارية، فجّر كل منشور مُستنسخٍ عشرات الشظايا المتناثرة فى التعليقات. حكى البعض عن ذكرياته السلبية فى هذا المستشفى وغيره، واستدعى آخرون تجارب شخصية إيجابية، مؤكدين أنهم تلقوا مع زوجاتهم وأبنائهم فى المستشفى نفسه خدمات بالغة التميز.
بين القصف والمدفعية المضادة سلكتُ درْب الحائرين، خاصة أننى لا أعرف عن المستشفى غير اسمه، وبالتالى لا يمكننى الانحياز إلى واحدة من الجبهتين، فأنا لستُ أمام وجهتى نظر يمكننى تبنى إحداهما انطلاقا من قوة منطق أصحابها، بل أقف فى مواجهة وقائع تتأرجح بين المدح والنقد، وحسم رأيى فى هذه الحالة شبه مستحيل، والمثل يقول: ليس من سمع كمن رأى، فما بالنا بمن عاش التجربة واقعيا؟!
بنظرة تحليلية يمكن استبعاد الكثير من التعليقات لسطحيتها، أو دورانها فى فلك المثل الشعبى الشائع «حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يتمنالك الغلط». ينتمى أصحابها لواحدة من دائرتين مغلقتين، لا تنفتحان أبدا إلا عند «بلع الزلط» أو «تمنى الغلط»، وفق موقع المحاصرين داخلهما، بين المعارضة المجانية والتأييد المطلق، ووسط هذين القطبين المتطرفين، يمكن افتراض وجود وقائع حقيقية فى الحكايات المروية، تعتمد على تجارب سلبية أو إيجابية.
 هنا يصبح التشخيص الوحيد المتاح، أننا أصبحنا مصابين بمرض التعميم، الذى يتخذ من تجربة شخصية منطلقا لإطلاق حكم عام، دون أن نضع فى اعتبارنا ظروف كل حالة، وهى ظروف تعتمد على متغيرات عديدة، لكن التعميم آلية تتيح لنا فرصة استعراض عضلاتنا الكلامية، فى معاركنا المتتالية مع طواحين الهواء.
التحقيقات وحدها كفيلة بكشف غموض حكايات الشاطبي، لكن الأزمة الحقيقية ستبقى فى الاستقطاب الحاد، الذى يتجدد مع كل واقعة، وسوف يتصاعد ما لم يحاول كل منا كبح جماح شهوة فلسفته المجانية، والتصدى لثقافة المهاترات منزوعة المنطق.