كرم السنى «شيخ الفخارين» شاهد على تاريخ المهنة
البيئة المصرية دورها مهم فى تنوع المنتجات لتوفر أنواع مختلفة من التربة
بين دوران حجر الفخار وصوت احتكاك الطين بالأيدى، تبدأ حكاية واحدة من أقدم المهن التى عرفها الإنسان.. مهنة لم تُخلق فقط لتصنع أواني، بل لتُشكل تاريخًا كاملًا من الطين والماء..
فمن هذا الطين، الذى ارتبط فى الوعى الإنسانى ببداية الخلق، خرجت واحدة من أهم الصناعات اليدوية، حيث استخدمه المصرى القديم فى حفظ الماء والطعام، وصناعة الأوانى التى لم تكن مجرد أدوات، بل جزءًا من طقوس الحياة نفسها..
وبينما تستمر العجلة فى الدوران، تتغير ملامح الحياه فلم يعد الفخار يحتل نفس المكانة التى كان عليها، وتراجعت أعداد من يقبلون على تعلم صناعته، فى وقت تحاول فيه قلة من الحرفيين الحفاظ على ما تبقى من هذه الحرفة.
«الأخبار» تقترب فى هذا الملف من عالم صناعة الفخار، للوصول إلى تفاصيله الدقيقة، للكشف عن أسرار مهنة عريقة بدأت من الطين على يد المصرى القديم ومازالت معنا حتى اليوم.
لم يكن ارتباط الفخار بحياة الإنسان مجرد صدفة، فالحكاية تعود إلى زمن بعيد، وكان لافتتاح المتحف المصرى الكبير دور هام فى إلقاء الضوء على هذه الصناعة، فعند التجول بين قاعاته، نجد أن أوانى الفخار تفرض حضورها بقوة، كشهادة حية على واحدة من أقدم الحرف التى عرفها الإنسان منذ عصور ما قبل الأسرات مرورًا ببداية الأسرات والدولة القديمة.
ولم تكن هذه الأوانى مجرد أدوات عادية، بل استخدمت فى الحياة اليومية لتخزين الطعام والشراب، كما كان لها دور مهم فى الطقوس الجنائزية.. وكان للبيئة المصرية دور مهم فى تنوع أشكال الفخار لتوفر أنواع مختلفة من الطين ساعدت على إنتاج أشكال متعددة من الأواني. وفى بدايات هذه الصناعة، كان الفخار يُصنع يدويا من الطين، ثم يترك ليجف تحت أشعة الشمس، قبل أن يكتشف الإنسان أهمية النار، لتصبح مرحلة الحرق الأهم فيما بعد لتمنح القطعة صلابة ومتانة أكبر.
وكانت رحلة صناعة الفخار تبدأ باختيار الطين المناسب، ثم تجهيزه من خلال طحنه وغربلته للتخلص من الشوائب والحصول على حبيبات دقيقة، قبل أن يتم عجنه بالماء حتى يصل إلى قوام متجانس يسهل تشكيله. وفى بعض الأحيان، كان يضاف الرمل إلى العجينة ليساعد على تبخر الماء تدريجيًا ويمنع تشقق القطعة، فضلا عن إكسابها قدرا من المسامية..
وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن من أقدم مواقع الفخار فى مصر منطقة بئر كسيبة الواقعة فى أقصى الجنوب على طريق درب الأربعين، والذى يربط بين مصر والسودان، حيث تعود هذه الاكتشافات إلى منتصف الألف الثامن قبل الميلاد، كما تم العثور على كسرات فخارية تعود إلى نفس الفترة فى مناطق مثل بشندى بالواحات الداخلة ومنطقة الشيخ مفتاح، وأيضا منطقة نقادة الأولى والثانية وهو ما يؤكد عمق جذور هذه الصناعة.
قرية الفواخير
الحكاية لا تتوقف عند ما تعرضه المتاحف، وخير دليل على ذلك وجود «قرية الفواخير بالفسطاط»، حيث يتحول التراب إلى حياة بين أيدى الصُناع.. ويروى الشيخ كرم السنى -67 عاما- رحلته مع الفخار وهو طفل لم يتجاوز الرابعة من عمره، حين كانت هذه الصناعة تُعرف باسم «القللية»، فلم يكن مصطلح «الفخار» متداولًا كما هو اليوم، ويستعيد شيخ الفخارين ملامح البدايات الأولى، حين كان العمل يتم باستخدام «الحجر اليدوي» الذى يُدار بالقدم لتشكيل الطين، ويروى بحنين حكاية متوارثة عن سيدى أبو السعود الجراح، أحد الأولياء الصالحين الذى ارتبط اسمه بهذه المهنة، حيث كان هو أول من عمل بها، وكان يعتمد على الزيت لتدوير الحجر. وذات يوم، نفد الزيت، فخشى أن تتوقف مهنته، فبكى حزنًا على مصدر رزقه، وبينما هو كذلك، سقطت دموعه على يديه وقدميه وعلى الحجر، فاختلطت بالماء، لتدور الطينة بسلاسة، ويكتشف حينها أن الماء يمكن أن يكون بديلًا للزيت. ومن هنا، أصبحت «المية والطينة والنار» هى أساس صناعة الفخار.
الطين أنواع
أما عن الخامات، فيوضح الشيخ كرم أن الطين لم يكن نوعًا واحدًا، بل تنوع بين الطينة السوداء، والطينة البيضاء، وطينة «الأرموط» التى كانت تُجلب من البحار أو تُستخرج من الجبال، ومع تطور الزمن، ظهرت الطينة الحمراء المعروفة باسم «الأسولي»، وهى تُستخرج من الجبال أيضًا، وتُستخدم فى صناعات متعددة مثل السيراميك والتحف.
ويشير كذلك إلى أن الطين درجات، فهناك ما يُستخدم فى المنتجات الراقية كالفازات والبورسلين، وهناك درجات أقل تُستخدم فى أوانى الزرع والأغراض البسيطة، لكن جميعها طبيعية ولا يدخل فيها أى مواد صناعية، مؤكدًا أن أى شوائب حتى وإن كانت صغيرة جدًا قد تتسبب فى انفجار القطعة داخل الفرن.
الابتكار لإحياء التراث
ولأن الحرف التراثية لا تزال تقاوم الزمن، تقف تجربة يسرية عبد الرحمن محروس، صانعة الفخار بمركز إحياء التراث بشرم الشيخ، شاهدة على واقع مهنة عريقة لم تفقد قيمتها، لكنها لم تستعد مكانتها الكاملة بعد.
وتروى يسرية أن الفخار رغم كونه من المجالات المربحة، إلا أن الإقبال عليه لا يزال محدودا، ليس فقط فى الشراء، بل فى التعلم أيضا، حيث لم يعد كثير من الناس يمتلكون الوعى الكافى بأهمية هذه الحرفة، مؤكدة أن «الصنايعي» فى هذا المجال يمكنه تحقيق دخل جيد، إلا أن المشكلة تكمن فى عزوف الأجيال الجديدة عن تعلم المهنة.
ورغم هذا التراجع، تشير يسرية إلى وجود نماذج لا تزال تحافظ على الحرفة، مثل قرية «الفرستق» التابعة لمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية، حيث يحرص الأهالى على تعليم أبنائهم المهنة ويعتمدون على إنتاجهم المحلى الذى يتميز بأسعاره المناسبة وجودته.
وتتسع خريطة الفخار فى مصر لتشمل مناطق لا تزال تشهد ازدهارًا نسبيًا، مثل مصر القديمة فى القاهرة، وقرية «الشيخ علي» فى قنا، إلا أن هذه الصناعة كانت فى الماضى أكثر انتشارًا، حيث كانت موجودة فى محافظات سوهاج وبنى سويف والمنيا، خاصة فى القرى الواقعة على النيل، قبل أن تتراجع تدريجيا مع تغير أنماط الحياة.
غش «العسليات»
وتوضح يسرية أن شكل المهنة تغير، فلم يعد الفخار يقتصر على شكله التقليدي، بل أصبح هناك توجه لتحويله إلى خزف من خلال التلوين والرسم، سواء للديكور أو الاستخدام اليومى للطعام والشراب، لكنها لا تنكر وجود الغش فى بعض الأماكن أو ما تعرف بـ«مصانع بير السلم»، خاصة فيما يُعرف بـ«العسليات» أو الألوان الداكنة، حيث قد تستخدم مواد مثل المنجنيز لتسريع الحرق، وهو ما قد يؤثر على جودة المنتج إذا لم يتم بشكل صحيح. وتوضح أن الأمان الحقيقى يتحقق عند حرق الفخار فى درجات حرارة مرتفعة تتراوح بين 800 إلى 900 درجة مئوية، وهى درجات كافية لجعل المنتج آمنا تماما، خاصة أن الطهو المنزلى لا يتجاوز فى أقصى حالاته 200 درجة مئوية.
وفيما يتعلق باستخدام الفخار فى المنازل، تشير إلى أن الأوانى غير المطلية من الداخل تعد الأفضل صحيا، ويمكن تجهيزها بسهولة عن طريق دهنها بالسمن أو الزيت، ثم إدخالها الفرن على درجة حرارة تتراوح بين 200 إلى 250 درجة مئوية، لمدة ساعة إلى ساعة ونصف تقريبا، وهى طريقة كفيلة بإغلاق مسام الفخار وجعله مناسبا للطهو.
أما القلل والأزيار المستخدمة فى حفظ المياه، فلا تحتاج إلى أى معالجة إضافية، إذ إنها بالفعل تؤدى دورًا طبيعيًا فى تنقية المياه، حيث تمتص الشوائب داخل مسامها، وتساعد على الحفاظ على خواص الماء، الذى تصفه بأنه «ماء حي» يحتفظ بعناصره الطبيعية، على عكس المياه المخزنة فى أوعية بلاستيكية.
تحديات اقتصادية
وتنتقل يسرية للحديث عن التحديات الاقتصادية التى تواجه المهنة، مشيرة إلى أن أسعار الخامات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، حيث يصل سعر طن الطين إلى نحو 4 إلى 5 آلاف جنيه، بعد أن كان أقل من ذلك بكثير فى السابق. كما ارتفعت أسعار المنتجات النهائية بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، كان سعر «الزير الحديث» أو ما يعرف بـ«الكولمن» فى الفترة الماضية يتراوح بين 90 إلى 100 جنيه، بينما وصل حاليًا إلى 250 جنيها للحجم الصغير، وإلى 350 جنيهًا للحجم الكبير.
وتوضح أن هذه الزيادة لا تعود فقط إلى ارتفاع أسعار الخامات، بل أيضا إلى زيادة تكاليف النقل والطاقة، حيث تعتمد عملية الحرق على الغاز أو الكهرباء، وكلاهما شهد ارتفاعا فى الأسعار، إلى جانب زيادة أجور العمالة خاصة مع قلة عدد الحرفيين المدربين.
على صعيد التصدير، تؤكد يسرية أن الفخار المصرى كان له حضور قوى فى الأسواق الخارجية، لكنه تراجع فى السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج مقارنة بدول أخرى مثل المغرب وتونس والجزائر وتركيا، التى تقدم منتجات بأسعار أقل، ما يجعل المنافسة صعبة على المنتج المصري، رغم جودته..
ورغم ذلك، لا تزال هناك مشاركة فى المعارض الدولية، خاصة للمنتجات التى تواكب الاتجاهات الجديدة فى التصميم، مثل الأطباق المزخرفة برسومات الفواكه، التى تلقى رواجًا فى الأسواق الأوروبية.
فوائده صحية
استخدام الأوانى الفخارية فى الطهو ليس مجرد عادة قديمة، بل هو أسلوب صحى يحمل العديد من الفوائد التى تعود بالنفع على الإنسان، وهنا توضح الدكتورة رشا مصطفى حسن، استشارى الكيمياء الحيوية والتغذية العلاجية، أن الطعام المطهو داخل الأوانى الفخارية يتميز بمذاق مختلف وفريد، وذلك بفضل خصائص الفخار التى تسمح بتوزيع الحرارة بشكل متساوٍ داخل الإناء..
وتشير إلى أن الأوانى الفخارية لا تتفاعل مع مكونات الطعام أثناء الطهو، كما أن الطهو فى الفخار يساهم فى الحفاظ على القيمة الغذائية للطعام، حيث لا يتعرض لحرارة عالية مفاجئة، بل ينضج بهدوء، ما يساعد فى الاحتفاظ بالفيتامينات والمعادن الموجودة فيه.
وعن أفضل أنواع الطين المستخدمة فى صناعة الفخار، الطمى الأسوانى بشرط حرقه فى درجات حرارة عالية، ما يضمن صلابته وجودته وصلاحيته للاستخدام.
وتحذر من استخدام الفخار المطلى بطبقة لامعة لأنه قد يحتوى على مواد ضارة مثل الرصاص أو معادن ثقيلة أخرى الموجودة فى طبقة «الجليز» التى تُضاف إليه، حيث تستخدم بعض المصانع أكاسيد الرصاص أو الكادميوم لإعطاء الإناء مظهرا جذابا ولمعة مميزة، ويمكن أن تتسرب إلى الطعام وتتراكم داخل الجسم مع الوقت، ما قد يؤدى إلى التسمم بالرصاص، ويؤثر بشكل سلبى على الكبد والكلى والجهاز العصبي، كما يضعف جهاز المناعة، ويزيد من احتمالات الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة إلى جانب تأثيره المدمر على الجهازين العصبى والتنفسى نتيجة ارتفاع نسبة الرصاص فى الدم.
أما عن استخدام الفخار فى حفظ المياه، فتؤكد أن الطبيعة القلوية للطين تساهم فى معادلة الحموضة الزائدة فى الماء، وهو ما ينعكس إيجابيا على صحة الجهاز الهضمي، ويساعد فى تقليل مشكلات مثل الحموضة والانتفاخ والإمساك.
كما أن الأوانى الفخارية تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا، ما يعزز من نقاء الماء ويجعله أكثر أمانًا للشرب، فضلًا عن دورها فى الحفاظ على صحة الكلى.
وتختتم د. رشا حديثها بتقديم مجموعة من الإرشادات المهمة لاستخدام الأوانى الفخارية لأول مرة، حيث تنصح بنقع الأوانى فى الماء لمدة لا تقل عن ساعتين إذا كانت مخصصة للشرب، ولمدة تصل إلى 8 ساعات إذا كانت مخصصة للطهو، كما تؤكد ضرورة ترك الإناء ليبرد تمامًا قبل غسله، والتأكد من جفافه الكامل قبل إعادة استخدامه، مع عدم استخدامه إذا كان سطحه الخارجى لا يزال رطبًا..
وفيما يخص تنظيف الأوانى الفخارية، توضح أن الطريقة المثلى تكون بفركها من الداخل والخارج باستخدام فرشاة ناعمة وماء ساخن، مع تجنب استخدام الصابون تمامًا، والاكتفاء باستخدام الملح الخشن أو بيكربونات الصوديوم لإزالة الرواسب، حفاظًا على طبيعة الفخار وضمان بقائه آمنا وصحيا للاستخدام.

الأهالى: تكلفة «الفراشة» نار.. والحل فى دور المناسبات
معاناة بعد الرحيل.. و«التقسيط» يواجه جنون الأسعار
سوق على الرصيف| لقمة العيش وحق المرور معادلة تبحث عن توازن





