هوامش

دموع القوافى فى عيون المراثى

حمدى رزق
حمدى رزق


فراق الأحباب سقام للألباب، فى وصف الوجع العميق الذى يُصيب القلب والعقل عند غياب من نحبهم.

الحى أبقى من الميت مثل شعبى يلخصه الحديث النبوى الشريف: «إنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ» (أى فى أمور مثل الكفن والملبس).

دموع القوافى فى عيون المراثى، جبلنا على تدبيج القوافى فى المراثى، وحكمة عميقة المعنى والمغزى تقول، «عندما تموت سيحبك الجميع فجأة، و سيسامحك الحبيب بلا عذر، ويغفر الصديق غيابك، سيعلمون كم كنت جميلًا .. ولكن فى الوقت الخطأ». ينفع الميت بعد موته الدعاء والاستغفار له، والصدقة الجارية عنه، وقضاء ما عليه من ديون أو نذور، والحج والعمرة عنه، وبر أصدقائه. كما ينفعه ما تركه من علم يُنتفع به أو عمل صالح جارٍ، أو ولد صالح يدعو له.

يلفتنى شلال الكتابة عن طيب الذكر بعد رحيله، وكان يتمناها فى حياته، الكتابة عن الأحياء تمد فى العمر، ولو بقدر ثوانى قراءة المكتوب، الكتابة كالبكاء على رأس الحى، أبقى من الكتابة والبكاء على رأس الميت الكتابة عن الأحياء.

الكتابة عن الأموات فرض كفاية، يقينى الكتابة الأحياء فرض عين، هكذا اعتقد، لو قرأ طيب الذكر (المرحوم) مما سالت به الأقلام أنهارًا من الدموع بعد مماته لمات راضيًا مرضيًا، واستقبل ملاك الموت بغبطة وسرور.

نذرت قلمى للكتابة عن الأموات، تأبينًا، على طريقة أذكروا محاسن موتاكم، وما إن يقابل أحد الأحبة رب كريم حتى أودعه بما يليق.

جلال الموت يحفزنى على تشييعه بأجمل العبارات، كلنا لها، وأنتم السابقون، على أمل يرثينى حيًا وأنا فى الرحاب السماوية، ولا أنسى ما حييت وصية صديق على فراش الموت يوصينى أن أكتب عنه بعد رحيله بما أحب بالضمة وأحب بالفتحة.

يومها تيقنت أن الكتابة عن الأحياء أولى، أن تسعد حبيبا وهو على قيد الحياة بسطور، الدنيا وما فيها، وأن تشيعه بسطور لا يقرأها، مثل الدعوات فى أثر العبد الصالح، من العمل الصالح المستدام.

الحى أولى بسطوره من الميت، والكتابة عن الأحياء مثل أكسير الحياة تمد فى أعمارهم، تمنحهم أملًا، تغبطهم، تسعد قلوبهم، ومن يسعد قلبًا أسعده الله فى الدنيا والآخرة، من طيب الأعمال.

أذكروا محاسن موتاكم، فى مناقشة عبثية مع صديق لومنى على الكتابة عن الأحياء، وكيف أنها قد تفسر مجاملة أو طلب القرب، ما يجرح عفاف القلم، ويعرض صاحبه بما لا يحب تأويلًا وتفسيرًا. جد لم أدرِ جوابًا، قد يكون مصيبًا فى زمن الكتابة السوداء، الكتابة البيضاء فى الأيام السوداء لا تلقى قبولًا.

مثلى يهزنى الفقد، كما يؤلمنى المرض.

سررتها فى نفسى اللوامة وجوبية الكتابة عن الأحباب فى حياتهم، ويقينى أن الكتابة عن الأحياء فيها حياة، والحروف تشفى الجروح الحياتية، والسطور طبطبة على الظهور المحنية تحت وطأة المرض العضال، والعطفة الإنسانية مضاد حيوى لانكسار الروح، تضمد الجراح، وترفع منسوب الأمل.