دراسة لمركز أخبار اليوم للبحوث والدراسات| الأمن فى العصر الرقمى

المنصات المستخدمة
المنصات المستخدمة


كيف عززت «الداخلية» ثقة المصريين عبر منصات التواصل؟

الوزارة  تُرَسِّـــــــخ نمــــــــوذجًا جديــــــدًا للأمن الرقــمى

  الأمن الرقمى ركيزة  جديدة لحماية المجتمع

 نجاح باهر فى توظيف الفضاء الرقمى لخدمة الأمن المجتمعى

استخدام التكنولوجيا بشراكات فاعلة لتعزيز الأمن المجتمعى

المصادر

● مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء.
● وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز القومى لتنظيم الاتصالات.
● بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء.

شهدت السنوات الأخيرة، نوعًا من التحوّل المتزايد فى علاقة وزارة الداخلية بالمجتمع المصرى، فى ظل زيادة الحضور الرقمى على منصات التواصل الاجتماعى، وهو الحضور الذى أخذ بُعدًا جديدًا بتوسّع المواطنين فى نشر مقاطع الفيديو والمنشورات التى تتضمن وقائع جنائية أو مخالفات أو سلوكيات مهددة للأمن المجتمعى، وهو ما يلقى استجابة فورية لافتة للنظر من وزارة الداخلية التى تنجح فى اتخاذ الإجراءات القانونية وضبط مرتكبى الجرائم خلال وقت قياسى.

وفى هذا السياق، أجرى مركز أخبار اليوم للبحوث والدراسات، دراسة وقراءة تحليلة مُعمَّقة عن هذا التحوّل انطلاقًا من فرضية أساسية مؤداها أن الرصد الأمنى الرقمى الذى تقوم به وزارة الداخلية، لم يعد مجرد امتداد إعلامى للمؤسسة الشرطية، بل أصبح أحد مداخل الضبط الاجتماعى الحديث، وأداة من أدوات إدارة المجال العام الرقمى، وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وهذه الثقة مبنية على أسس راسخة ترتبط باحترام القانون والخصوصية، ودقة التحقّق من الوقائع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعى، وسرعة الاستجابة الفَعَّالة لها. 

توضح الدراسة، أن وزارة الداخلية المصرية استطاعت خلال العشر سنوات الأخيرة، بفضل توجيهات القيادة السياسية، إعادة بناء الثقة المجتمعية عبر تطوير قنوات البلاغ الإلكترونى، وترسيخ ثقافة الإبلاغ المسئول، وحماية الضحايا من الوصم الرقمى، وضمان التوازن بين الردع والطمأنة للمواطنين والمجتمع ككل.

أدوات جديدة

بدأت الدراسة بشرح التحوّلات التى حدثت فى العالم المعاصر الذى يتسم بالتحوّل والتغيّر لاسيما خلال الوقت الراهن، وعملت على فهم الأثر السوسيولوجى لتفاعل وزارة الداخلية المصرية مع ما يتم تداوله عبر المنصات الإلكترونية من وقائع جنائية أو مخالفات أو استغاثات مختلفة، ومدى إسهام هذا التفاعل فى تعزيز الثقة المجتمعية فى المؤسسة الأمنية، ودعم الأمن المجتمعى.

وشهدت المجتمعات المعاصرة تحوّلًا عميقًا فى طبيعة المجال العام، فلم يعد التفاعل الاجتماعى محصورًا فى الشارع أو الحى أو المؤسسة أو وسائل الإعلام التقليدية، بل امتدَّ إلى فضاء رقمى واسع تتداخل فيه الأخبار، والصور، ومقاطع الفيديو، والاستغاثات، والشكاوى، وردود الفعل الجماهيرية.
وفى ظل هذا التحوّل، لم تعد الجريمة أو المخالفة واقعة مادية فقط، بل أصبحت فى حالات كثيرة حدثًا رقميًا أيضًا؛ يُصوَّر، ويُعاد تداوله، ويُعلَّق عليه، وتُبنى حوله مواقف اجتماعية وضغوط رمزية تطالب بالتدخل المؤسسى.

وقد فرض هذا التحوّل على المؤسسات الأمنية فى مختلف دول العالم تطوير أدواتها فى الرصد، والتواصل، والاستجابة، وإدارة الرأى العام، وفى الحالة المصرية، يظهر تفاعل وزارة الداخلية مع ما يُنشر على المنصات الإلكترونية، خاصة عبر صفحتها الرسمية وبياناتها المنشورة فى وسائل الإعلام، باعتباره أحد ملامح انتقال المؤسسة الأمنية من نموذج الاستجابة التقليدية إلى نموذج أكثر تفاعلًا مع المجال الرقمى.

وتتجلى هذه الظاهرة فى الصياغات المتكررة، التى تظهر فى بيانات الوزارة، مثل: «كشف ملابسات مقطع فيديو تم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعى»، أو «عقب رصد تداول منشور»، أو «فى إطار كشف ملابسات ما تم تداوله»، وتعكس هذه الصياغات انتقالًا مهمًا فى مسار المعلومة الأمنية؛ إذ يمكن أن تبدأ الواقعة من منشور أو فيديو أو استغاثة إلكترونية، ثم تنتقل إلى دائرة الفحص والتحقّق، ثم تعود إلى المجال العام فى صورة بيان رسمى يوضح ما تم اتخاذه من إجراءات.

المواطن فاعل مؤثر

ويُنظر إلى هذا النمط من التفاعل على أنه لا يقتصر على الجانب الأمنى أو الاتصالى، بل يكتسب أهمية مجتمعية؛ لأنه يكشف عن إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة فى المجال الرقمى، وعن تحوّل المواطن من متلقٍ سلبى للخدمة الأمنية إلى فاعل محتمل فى إنتاج المعلومة الأمنية، سواء من خلال الإبلاغ أو التوثيق أو نشر الوقائع ذات الصلة بالسلامة العامة.

وتزداد أهمية الرصد الأمنى الرقمى فى مصر نظرًا إلى اتساع قاعدة استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، إذ أصبح المجال الرقمى أو الفضاء الإلكترونى جزءًا من الحياة اليومية لملايين المواطنين، بما يجعله مجالًا مهمًا لتداول الوقائع، وتشكيل الانطباعات، ونشر الشكاوى والاستغاثات.

وكشفت دراسة المركز من خلال مراجعة الأرشيف الصحفى المنشور عن بيانات وزارة الداخلية عن تكرار واضح فى وقائع تبدأ من تداول مقطع فيديو أو منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعى، ثم تعلن الوزارة كشف ملابسات الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية، وتشمل هذه الوقائع أنماطًا متعددة، منها: مشاجرات فى الشارع، سرقات، تحرش، قيادة برعونة، طمس لوحات معدنية، اعتداءات، مخالفات مرورية، استغاثات مواطنين، وممارسات تمس السلامة العامة.

وتكمن أهمية هذه المؤشرات فى أنها توضح أن المحتوى الرقمى لا يرتبط فقط بالجرائم الإلكترونية بالمعنى الضيق، مثل الاختراق أو النصب الإلكترونى، بل يشمل أيضًا جرائم ومخالفات واقعية جرى توثيقها رقميًا، وبذلك أصبح الفيديو أو المنشور أو الاستغاثة الإلكترونية أحيانًا نقطة البداية فى مسار أمنى وقانونى أوسع.

وتأسيسًا على الطرح السابق، تشير المؤشرات الرسمية الحديثة إلى أن وزارة الداخلية المصرية قد أدت دورًا محوريًا فى تعزيز الأمن الداخلى وترسيخ الاستقرار المجتمعى خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يتضح من التحسّن الملحوظ فى معدلات الجريمة ومؤشرات الأمان. 

وأظهرت الإحصاءات السنوية المُعلَنة خلال احتفالية عيد الشرطة لعام 2026، انخفاض معدلات الجريمة خلال عام 2025 بنسبة تقارب 14.4%، الأمر الذى يعكس فاعلية الاستراتيجيات الأمنية الرقمية الحديثة، وتطوّر آليات الرصد والمتابعة، وكفاءة جهود الضبط الجنائى.

كما يدعم ذلك ما ورد فى تقرير المركز الإعلامى لمجلس الوزراء، بشأن تحسّن ترتيب مصر فى عدد من مؤشرات الجريمة الدولية، إذ تقدمت فى مؤشر الجريمة العنيفة من المركز 122 عام 2014 إلى المركز 29 عام 2025، إلى جانب تقدمها فى المؤشر العالمى بالإحساس بالأمان من المركز 143 إلى المركز 32. 

ومن ثم، فإن هذه المؤشرات لا تعكس مجرد تراجع كمى فى بعض أنماط الجريمة، بل تكشف عن تحوّل أعمق فى بنية الأداء الأمنى، يقوم على الوقاية، وسرعة الاستجابة، ورفع كفاءة المؤسسات الشرطية، بما يعزز الثقة العامة فى مؤسسات الدولة ويدعم مقومات الأمن والتنمية.

تطرقت الدراسة إلى المنظور السوسيولوجى، وأكدت أنه يمكن النظر إلى تفاعل وزارة الداخلية المصرية مع المنصات الإلكترونية باعتباره أحد مظاهر تطوّر وظيفة الشرطة فى الدولة الحديثة، فالشرطة لم تعد مطالبة فقط بالحضور فى المجال المادى، بل أصبحت مطالبة أيضًا بالحضور فى المجال الرقمى، حيث تتشكل الانطباعات، وتنتشر الوقائع، وتتولد مشاعر القلق أو الطمأنينة.

ويظهر الدور الإيجابى للشرطة المصرية فى هذا السياق عبر عدة أبعاد جاءت على النحو التالى:

● أولًا: سرعة الرصد والتفاعل، فحين يتم تداول واقعة تثير اهتمامًا عامًا، يصبح الرصد السريع عاملًا مهمًا فى احتواء القلق الاجتماعى ومنع تمدد الشائعات، ولا يعنى ذلك التسرع فى إصدار الأحكام، وإنما يعنى إدخال الواقعة فى مسار فحص مؤسسى بدل تركها للتأويلات المتضاربة.

● ثانيًا: تحويل المحتوى المتداول إلى إجراء قانونى، فالمنشور أو الفيديو، فى ذاته، لا يمثل حكمًا نهائيًا، لكنه قد يكون مؤشرًا يستدعى التحقّق، ومن هنا تظهر أهمية العمل الأمنى فى الانتقال من الرصد إلى الفحص، ومن الفحص إلى الإجراء، ومن الإجراء إلى البيان العام.
تعزيز الردع المعنوى

● ثالثًا: تعزيز الردع المعنوى، فإعلان كشف ملابسات الوقائع المتداولة يرسل رسالة اجتماعية مفادها أن المجال الرقمى ليس منفصلًا عن القانون، وأن السلوك الإجرامى أو المخالف قد يُرصد ويُحاسب إذا توافرت الأدلة والإجراءات القانونية وهو ما يندرج تحت اسم الأمن الوقائى.

● رابعًا: طمأنة المجتمع، فالمواطن حين يرى أن واقعة متداولة لم تُترك بلا استجابة، قد يتعزز لديه الإحساس بأن الدولة حاضرة وقادرة على التعامل مع ما يمس سلامته اليومية.

● خامسًا، تشجيع المشاركة المسئولة، فكلما شعر المواطن بأن البلاغ أو التوثيق المسئول يمكن أن يؤدى إلى نتيجة قانونية، زادت احتمالات تعاونه مع المؤسسة الأمنية، بشرط أن يتم ذلك فى إطار يحترم القانون والخصوصية.

فعندما تنتشر واقعة عبر مواقع التواصل، غالبًا ما تكون مصحوبة بانفعالات وتعليقات وأحكام سريعة، وهنا يؤدى البيان الأمنى التالى للواقعة وظيفة مهمة؛ إذ يعيدها إلى إطارها المؤسسى، ويقدم سردًا رسميًا لما جرى، ويوضح ما تم اتخاذه من إجراءات.

وبهذا المعني، لا تقتصر وظيفة بيان «كشف الملابسات» على الإعلام، بل تمتد إلى تنظيم المجال العام، وتقليل مساحة الشائعات، وربط الانفعال الاجتماعى بمسار قانونى قابل للتحقق.

ويدلل هذا على  ظهور أدوات جديدة للضبط الاجتماعى فى العصر الرقمى، من بينها التصوير، والنشر، والتعليق، والبلاغ الإلكترونى، بعدما كان هذا الضبط الاجتماعى قاصرًا فى الماضى، على مؤسسات رسمية مثل الشرطة والقانون، وأنماط غير رسمية مثل الأسرة والعرف والرأى العام.
على أن هذه الأداة الجديدة تحمل فى طياتها بعض المخاطر، منها خطر المحاكمة الشعبية، إذ قد يؤدى تداول الفيديوهات والمنشورات إلى إصدار أحكام اجتماعية سريعة قبل اكتمال التحقيق، لذلك يجب التأكيد دائمًا على أن المحتوى المتداول يمثل مؤشرًا للفحص، لا حكمًا نهائيًا، وهو ما تلفت له وزارة الداخلية فى العديد من بياناتها.

كما أن هناك خطرًا للتشهير والوصم، فقد يتضرر أشخاص أو أسر أو مناطق اجتماعية بسبب تداول غير مسئول لواقعة معينة، ومن ثم تحاول الوزارة عبر منصاتها الرسمية، تعزيز ثقافة الإبلاغ دون تشهير لحماية الضحايا فى بعض القضايا، الذين قد يؤدى النشر إلى إلحاق أذى إضافى بهم، خصوصًا فى قضايا التحرش، والابتزاز، والعنف الأسرى، والأطفال. 

وعلاوة على ما سبق، تذهب الدراسات الأمنية الاجتماعية إلى وجود خطر يتعلق بتصور أو اختزال الأمن فى الترند، لأن بعض المواطنين قد يشعرون بأن الاستجابة لا تحدث إلا عندما تتحوّل الواقعة إلى قضية رأى عام، وهو ما عملت «الداخلية المصرية» على تلافيه.

الردع والطمأنة

إلى ذلك، يمكن من خلال الوقائع المختلفة استقراء آلية عمل وزارة الداخلية فيما يتعلق بالجانب الرقمى والإدارة المجتمعية، ويفيد تتبع هذه الوقائع وإدراك سياقها وطبيعة الاستجابة الأمنية لها فى صياغة نموذج تحليلى لفهم الضبط الأمنى الرقمى المصرى.

وهذا النموذج قائم على خمس مراحل مترابطة، هى:

1- الرصد: متابعة ما يظهر فى المجال الرقمى من وقائع ذات صلة بالأمن العام.

2- التحقّق: فحص صحة المحتوى وسياقه وملابساته.

3- التدخّل: اتخاذ الإجراء القانونى المناسب إذا ثبتت الواقعة.

4- الإعلان: تقديم بيان واضح للرأى العام دون الإضرار بسير التحقيق أو خصوصية الضحايا.

5- بناء الثقة: تحويل الاستجابة الأمنية إلى خبرة اجتماعية إيجابية تعزز الإحساس بالطمأنينة والتعاون. هذا النموذج يوضح ما تقوم به الوزارة فعليًا، وأن القيمة لا تكمن فى الرصد وحده، بل فى اكتمال سلسلة الاستجابة المؤسسية من المعلومة إلى الإجراء، ومن الإجراء إلى الثقة.

وتبيّن المراجعة التحليلية لدور وزارة الداخلية فى أنها نجحت فى تحقيق المعادلة الصعبة والحفاظ على التوازن بين كشف بعض الوقائع وحماية الضحايا، وضمان عدم تحوّل الوقائع إلى تشهير أو محاكمة شعبية، وهذا يمنح ضمانة لكى لا يتحوّل المحتوى المتداول من مادة للغضب أو الإدانة العشوائية إلى مدخل للتحقّق القانونى.

كما نجحت الوزارة فى تعزيز الأمن المجتمعى عبر الحفاظ على التوازن بين الردع والطمأنة المجتمعية، لأنها أدركت أن الإفراط فى عرض الوقائع الجنائية قد يخلق شعورًا مبالغًا فيه بالخطر، بينما يساعد الخطاب الأمنى المنضبط على تقديم رسالة متوازنة مفادها: نعم، هناك وقائع يتم التعامل معها، لكن هناك أيضًا مؤسسة أمنية قادرة على الرصد والاستجابة واحتواء المخاطر على الفور.

وخلصت الدراسة إلى أن تفاعل وزارة الداخلية المصرية مع المنصات الإلكترونية يمثل أحد ملامح الدولة الحديثة فى إدارة الأمن المجتمعى، حيث يصبح المواطن شريكًا فى الإبلاغ، وتصبح التكنولوجيا وسيلة لحماية المجال العام، وتصبح الثقة موردًا أساسيًا من موارد الأمن الوطنى والمجتمعى.

 

تشير البيانات الحكومية الحديثة إلى اتساع نطاق الاستخدام الرقمى فى مصر بصورة تعكس تنامى الاعتماد المجتمعى على الإنترنت والخدمات الرقمية، وهو ما يوضحه الإنفوجراف التالى:

10.29% نسبة الزيادة فى عدد المشتركين بخدمة الإنترنت المحمول خلال عام 
3.78 مليون مشترك إنترنت عبر «البيانات الهاتفية» فقط

95.94 مليون عدد المشتركين فى نوفمبر 2025 مقابل 86.99 مليون فى نوفمبر 2024

%43.4 من إجمالى المصريين يستخدمون «السوشيال ميديا» فى عام 2025

 

ترتيب قائمة المنصات الأكثر استخدمًا:

1 فيسبوك فى صدارة قائمة المنصات المستخدمة بنحو 51.6 مليون مستخدم خلال أكتوبر 2025

2 يوتيوب الثانى فى القائمة بنحو 49.3 ملـيــــون مستخدم

3 تيك توك فى المرتبة الثالثة بنحو 48.8 ملـيــــون مستخدم فى الفئة العمرية 18 سنة فأكثر