عمرو الخياط يكتب: الرؤى الاستراتيجية

عمرو الخياط
عمرو الخياط


كلما ذُكرت العاصمة الجديدة، أو المونوريل، أو القطار الكهربائى السريع، أو شبكة الطرق والكبارى، خرج من يسأل: لماذا أنفقت مصر كل هذه الأموال؟ ولماذا تحملت الدولة أعباء مالية وديوناً لتنفيذ هذه المشروعات؟

وقد يبدو السؤال فى ظاهره منطقياً، لكنه يغفل حقيقة مهمة، وهى أن الدول لا تبنى بردود الأفعال الآنية، وإنما بالرؤية الاستراتيجية التى تستشرف احتياجات المستقبل قبل أن تتحول إلى أزمات.

فعلى مدار عقود طويلة، عانت مصر من تراكم مشكلات مزمنة فى البنية التحتية، واختناقات مرورية خانقة، وتكدس سكانى هائل فى عدد محدود من المدن، وتراجع فى كفاءة شبكات النقل والخدمات. وكانت النتيجة خسائر اقتصادية يومية، وإهداراً للوقت والطاقة، وتراجعاً فى قدرة الدولة على جذب الاستثمارات.

ولذلك لم يكن أمام الدولة خياران بين البناء وعدم البناء، بل كان أمامها خياران بين التحرك الآن أو دفع ثمن أكبر بكثير فى المستقبل.

إن العاصمة الجديدة ليست مجرد أبراج شاهقة أو مبانٍ حكومية حديثة، بل مشروع يهدف إلى خلق مركز إدارى ومالى جديد، وتخفيف الضغط عن القاهرة التى تجاوزت طاقتها الاستيعابية منذ سنوات طويلة. والمدن الجديدة لم تُنشأ من أجل الحاضر فقط، بل لاستيعاب ملايين المواطنين خلال العقود القادمة، ومنع تكرار أزمات العشوائيات والتكدس التى دفعت مصر ثمنها لعشرات السنين.

أما شبكة الطرق والكبارى التى امتدت فى مختلف أنحاء الجمهورية، فقد أعادت رسم خريطة الحركة والتنقل، وربطت مناطق كانت معزولة بمراكز الإنتاج والاستثمار، وساهمت فى خفض زمن الرحلات وتكاليف النقل، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطنى وأسعار السلع والخدمات.

وفى عالم يتجه نحو النقل الذكى والطاقة النظيفة، لم يكن من المقبول أن تبقى مصر أسيرة وسائل نقل تقليدية. ومن هنا جاء الاستثمار فى المونوريل والقطار الكهربائى والقطار السريع باعتبارها مشروعات تنتمى إلى المستقبل، وتؤسس لشبكة نقل عصرية تخدم الأجيال القادمة.

المفارقة أن كثيراً من الدول التى أصبحت اليوم نماذج للتقدم الاقتصادى تحملت فى مراحل نهضتها أعباء مالية ضخمة لإنشاء الطرق والمطارات والسكك الحديدية والمدن الصناعية. ولم يكن أحد ينظر إلى هذه النفقات باعتبارها عبئاً فقط، بل باعتبارها استثماراً فى التنمية والنمو.

وبالطبع فإن إدارة الديون وترشيد الإنفاق مسئولية لا خلاف عليها، لكن من غير المنصف أن تُختزل المشروعات القومية الكبرى فى أرقام القروض وحدها، بينما يتم تجاهل ما أضافته من أصول حقيقية وبنية أساسية ومجتمعات عمرانية جديدة وفرص عمل واستثمارات.

إن السؤال الذى ينبغى طرحه ليس: كم أنفقت مصر على هذه المشروعات؟ بل ماذا كانت ستكون تكلفة عدم تنفيذها؟ وكيف كان يمكن لدولة يزيد عدد سكانها على مائة مليون نسمة أن تواجه تحديات المستقبل ببنية تحتية تعود إلى عقود مضت؟

التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تتقدم بالانتظار، وأن التنمية الحقيقية تحتاج إلى شجاعة القرار، وإلى رؤية تتجاوز حسابات اللحظة الراهنة. وما تشهده مصر اليوم من مشروعات كبرى قد يختلف البعض حول تفاصيله، لكنه يعكس إرادة دولة اختارت أن تبنى للمستقبل، وأن تؤسس بنية قادرة على خدمة أجيال لم تولد بعد.

فالدين الذى يُنفق على الاستهلاك يزول أثره سريعاً، أما الدين الذى يتحول إلى طرق ومدن وشبكات نقل ومشروعات إنتاجية، فهو استثمار يبقى أثره لعقود طويلة، ويشكل رصيداً حقيقياً للوطن وأبنائه.