جسر بين «زمنين»| إنقاذ ورقمنة آلاف المخطوطات النادرة بمساجد القاهرة

د. محمد الجندي - د. أحمد نبوي - د. أسامة رسلان - د. مجدى حامد
د. محمد الجندي - د. أحمد نبوي - د. أسامة رسلان - د. مجدى حامد


حسام بركات

د. الجندى: مقتنيات الأزهر ذاكرة أمة ترسخ قيم الوسطية 

 

فى قلب القاهرة، حيث تتجاور المآذن مع صفحات التاريخ، تتوارى كنوز علمية لا تقل قيمة عن أعظم الآثار، محفوظة فى مكتبات المساجد العريقة التى شكّلت عبر القرون منارات للعلم والمعرفة، فمن أروقة الأزهر الشريف إلى مكتبات وزارة الأوقاف المصرية، تتجلى ثروة فكرية ضخمة، تضم مخطوطات نادرة وكتبًا تراثية تُجسّد عبقرية العقل الإسلامى فى مختلف العلوم.

هذه المكتبات لم تكن يومًا مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل كانت ولا تزال فضاءات حيّة للتعلّم والتدبر، احتضنت العلماء وطلاب العلم، وشهدت ميلاد أفكار ومذاهب أسهمت فى تشكيل الوعى الدينى والثقافى للأمة، وفى زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، تكتسب هذه الكنوز أهمية مضاعفة، إذ تمثل حلقة وصل بين الماضى العريق والحاضر المتجدد، وتفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين لاكتشاف أبعاد جديدة من التراث.

إن الحديث عن مقتنيات مكتبات مساجد القاهرة هو فى جوهره حديث عن هوية، وعن ذاكرة أمة صاغتها المعرفة، وحفظتها عناية العلماء، وتوارثتها الأجيال، وبين رفوف هذه المكتبات، لا تُحفظ الكتب فقط، بل تُصان القيم، وتُروى حكايات حضارةٍ جعلت من العلم طريقًا للبناء والنهوض..

فى هذا السياق، يؤكد د. محمد الجندى، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن مقتنيات مكتبة الأزهر لا تقتصر على كونها مجرد كتب أو وثائق؛ بل تمثل ذاكرة أمة،وشاهدا حيا على تطور العلوم الإسلامية والإنسانية عبر العصور..

ويشير إلى أن المكتبة تضم آلاف المخطوطات النادرة فى مختلف العلوم، من التفسير والحديث والفقه، إلى الفلسفة والطب والفلك، وهو ما يعكس شمولية الحضارة الإسلامية واهتمامها بالعلم فى أوسع معانيه ،كما تضم المكتبة نسخًا فريدة من مؤلفات كبار العلماء، بعضها بخطوط مؤلفيها أو تلاميذهم، مما يمنحها قيمة علمية وتاريخية لا تُقدَّر بثمن.

ويضيف أن هذه الكنوز تُعد مصدرًا أساسيًا للباحثين من مختلف أنحاء العالم، حيث يجدون فيها مادة علمية موثقة تُسهم فى تحقيق النصوص التراثية ودراسة تطور الفكر الإسلامى. كما أن عمليات الفهرسة والتوثيق التى شهدتها المكتبة فى السنوات الأخيرة ساهمت فى تسهيل الوصول إلى هذه الكنوز، خاصة مع التوجه نحو الرقمنة والحفظ الإلكترونى، وهو ما يضمن بقاء هذا التراث للأجيال القادمة.

ويؤكد د. الجندى، أن الحفاظ على هذه المقتنيات مسؤولية كبيرة، تتطلب تكاتف الجهود بين المؤسسات العلمية والثقافية، مشددًا على أن مجمع البحوث الإسلامية يولى اهتمامًا بالغًا بدعم مشروعات الترميم والصيانة، فضلاً عن تشجيع الباحثين على الاستفادة من هذا الإرث العلمى فى بناء حاضرٍ أكثر وعيًا ورسوخًا

ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مكتبة الأزهر ليست مجرد ماضٍ يُحتفى به، بل هى منارة علمية متجددة، تسهم فى تشكيل الوعى، وتعزيز الهوية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال التى يقوم عليها الأزهر الشريف، بما يجعله دائمًا حصنًا للفكر المستنير فى مواجهة التحديات المعاصرة.

كنوز تاريخية

يضيف د. مجدى حامد مهران، مدير مكتبة الأزهر السابق، أن قيمة المكتبة لا تُقاس فقط بعدد مقتنياتها، بل بما تحمله من عمق علمى وتاريخى يجعلها مرجعًا أساسيًا للباحثين من مختلف أنحاء العالم.

وأن المكتبة تحتفظ بما يزيد على (٦٠) ألف مخطوط أصلى، تغطى مختلف فروع المعرفة من علوم الشريعة واللغة إلى الطب والفلك والفلسفة، من بينها آلاف النسخ الفريدة التى لا يوجد لها نظير.

كما تضم المكتبة ما يقرب من (٢٠٠) ألف كتاب مطبوع، إلى جانب مجموعات نادرة من الدوريات القديمة والوثائق التاريخية، وهو ما يعكس تنوعًا معرفيًا ثريًا يندر وجوده فى مؤسسة واحدة..

ويوضح أن من أبرز ما يميز مقتنيات المكتبة وجود مخطوطات تعود إلى أكثر من (١٠٠٠) عام، مكتوبة بخطوط كبار العلماء والنُّسّاخ، وبعضها مزخرف بزخارف إسلامية دقيقة تعكس جماليات الفن الإسلامي؛ ويؤكد أن هذه الكنوز ليست مجرد مواد أرشيفية، بل مصادر حيّة للبحث العلمى، تسهم فى إعادة قراءة التراث وفهمه فى ضوء معطيات العصر، وفيما يتعلق بالتطوير، يلفت إلى أن المكتبة شهدت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية فى مجال الرقمنة.

حيث تم رقمنة ما يقرب من (٤٠%) من إجمالى المخطوطات، باستخدام تقنيات حديثة تضمن أعلى درجات الدقة والحفاظ على الأصول، كما تم إنشاء قواعد بيانات إلكترونية متقدمة، تتيح للباحثين الوصول إلى معلومات تفصيلية عن كل مخطوط، بما فى ذلك موضوعه وتاريخه وحالته الفنية.

ويضيف أن جهود الترميم تُعد جزءًا أساسيًا من الحفاظ على هذا التراث، حيث تم ترميم أكثر من (١٥) ألف مخطوط باستخدام مواد علمية متخصصة، وعلى أيدى خبراء مدربين وفق أحدث المعايير الدولية، كما تم تطوير بيئة الحفظ داخل المكتبة، من خلال أنظمة تحكم فى درجات الحرارة والرطوبة، بما يضمن حماية المخطوطات من التلف.

ويؤكد أن مكتبة الأزهر لم تعد مؤسسة تقليدية، بل تحوّلت إلى مركز علمى متكامل يجمع بين الأصالة والتكنولوجيا، حيث يجرى العمل على إتاحة جزء من مقتنياتها عبر منصات رقمية، بما يوسّع دائرة الاستفادة منها عالميًا، ويعزّز من دور مصر كمركز رئيسى لدراسة التراث الإسلامى.

منارة علمية

يشير د. أحمد نبوى، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أن المكتبة المركزية للمخطوطات فى مسجد السيدة زينب (رضى الله عنها)، ليست مجرد مكان لحفظ التراث، بل هى منارة علمية حقيقية تُجسّد هوية الأمة وذاكرتها الحية..

ويرى أن المخطوطات التى تحتضنها المكتبة تمثل ثروة فكرية وإنسانية لا تُقدّر بثمن، إذ تضم مؤلفات فى مختلف العلوم الشرعية واللغوية والطبية، والفلكية، والجغرافية، والعمرانية الحضارية إلى جانب كتب نادرة بخطوط كبار العلماء عبر القرون من شتى بقاع الأرض، ويشير إلى أن قيمة هذه الكنوز لا تكمن فقط فى قدمها أو ندرتها، بل فى ما تحمله من مضامين علمية وفكرية أسهمت فى بناء الحضارة الإنسانية، وكانت أساسًا للنهضة العلمية فى كثير من بقاع العالم..

ويشدد على أن الحفاظ على هذه المخطوطات هو مسؤولية وطنية ودينية، تتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات العلمية والثقافية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذى يولى عناية كبيرة بصيانة التراث الإسلامى وإتاحته للأجيال الجديدة، وأن جهود الترميم والفهرسة والرقمنة تمثل خطوة مهمة نحو حماية هذه الكنوز من التلف، وضمان وصولها إلى الباحثين والمهتمين فى مختلف أنحاء العالم.

كما يلفت إلى أن المكتبة تمثل مقصدًا مهمًا للباحثين وطلاب العلم، حيث تتيح لهم الاطلاع على أصول نادرة تسهم فى إثراء دراساتهم وتعميق فهمهم للتراث الإسلامى، وأن وجود هذه الكنوز فى قلب القاهرة يعزز من مكانة مصر كمركز إشعاع علمى وثقافى فكرى، ويؤكد دورها التاريخى فى حفظ التراث الإنسانى.

وأن الاهتمام بالمخطوطات لا ينبغى أن يقتصر على المتخصصين فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل المجتمع بأسره، من خلال نشر الوعى بقيمتها وتنظيم المعارض والفعاليات الثقافية التى تُبرز جمالياتها وأهميتها، فالمخطوطات فى نظره: ليست مجرد أوراق قديمة؛ بل هى رسالة حضارية تحمل فى طياتها روح الأمة وعلمها وإبداعها.

ركيزة أساسية

يبين د. أسامة رسلان، المتحدث الرسمى لوزارة الأوقاف، أن هذه المكتبة تمثل أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية، وركيزة أساسية فى حفظ التراث الإسلامى والإنسانى.

وأنها تضم آلاف المخطوطات النادرة، التى يتجاوز عددها (6) آلاف عنوان مخطوط فى مختلف العلوم، تصل بمجلداتها إلى ما يزيد عن (11) ألف مجلد، منها ما يزيد على (500) مخطوط فريد لا يوجد له نظير فى مكتبات العالم، إضافة إلى نحو (3000) من أوائل المطبوعات جمعت من المكتبات الموجودة بمساجد مصر من عدة محافظات كالإسكندرية والغربية، والبحيرة، إضافة إلى ما يزيد على (2000) كتاب من أمهات المراجع التراثية والحديثة فى قاعة الاطلاع الكبرى بالمكتبة..

ولفت إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم الثروة المعرفية الهائلة التى تمتلكها مصر، والتى تتطلب إدارة حديثة تواكب تطورات العصر..

وأشار إلى أن وزارة الأوقاف، بالتعاون مع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، تبنّت خطة طموحة لتطوير المكتبة، ترتكز على مشروع رقمنة شامل، يهدف إلى تحويل هذا التراث الورقى إلى محتوى رقمى مؤمن وسهل الوصول، وقد تم بالفعل رقمنة ما يقرب من (80%) من المخطوطات حتى الآن، باستخدام أحدث أجهزة المسح الضوئى عالية الدقة، التى تحافظ على سلامة المخطوطات دون تعريضها لأى تلف.

وبيّن أن نظام الرقمنة الجديد لا يقتصر على تصوير المخطوطات فحسب، بل يشمل إنشاء قاعدة بيانات متكاملة، تحتوى على توصيف علمى دقيق لكل مخطوط، يشمل اسم المؤلف، وتاريخ النسخ، وموضوع المخطوط، وحالته الفنية، إلى جانب ربط هذه البيانات بمحرك بحث ذكى يتيح للباحثين الوصول إلى المحتوى بسهولة وسرعة، كما يجرى العمل على إتاحة جزء من هذه الكنوز عبر منصات إلكترونية، بما يحقق مبدأ «المعرفة للجميع» دون الإخلال بحقوق الملكية الفكرية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار فى رقمنة المخطوطات ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الهوية وصيانة الذاكرة الحضارية، موضحًا أن مصر، بما تملكه من هذا التراث الفريد، قادرة على أن تكون مركزًا عالميًا للبحث فى المخطوطات والدراسات التراثية، فهذه الكنوز كما يقول: ليست حبيسة الرفوف، بل هى نور علم يجب أن يصل إلى كل باحث وطالب معرفة فى العالم.