صوتها.. لا يمر عبر الآذان كأثيرٍ عابر، بل هو نغم، يرتب فوضى الروح، ويبدد الحزن، ويصنع الحلم، فبات ملمحاً أساسياً من روعات محتوى الإذاعة المصرية لمدة تزيد عن 30 عاماً.
حين سألتُ الإذاعية الأديبة نهى الرميسي عن رأيها في المؤلفين الذين يكتبون بلا تأطير أخلاقي، أكدت أن هذا هو الإفلاس الحقيقي، وأن الكتابة بلا انحياز للفطرة السوية فوضى يمكنها تدمير أمة.
وفي زمنٍ تتشابك فيه التنازلات من أجل فرصة للظهور الإعلامي، ورغم ملامحها المطبوعة بالوقار المصري الأصيل، التي تؤهلها لأن تكون مذيعة تلفزيونية ناجحة، آمنت «الرميسي» بأن الإعلام في البدء كان الكلمة، وقدمت درساً بليغاً في الاتساق مع الذات حين رفضت التخلي عن حجابها، وانحازت لميكروفون الإذاعة، الذي صبت في آذان مستمعيها من خلاله البعد الأعمق للثقافة، ومارست هوايتها في تصحيح أوراق الوعي السليم.
لم يأتِ عشقها للغة العربية مصادفة، فحفظها للقرآن الكريم في سن مبكرة صقل لسانها، وحبّب إليها لغة الضاد، وأورثها فصاحة البيان وسحر التبيان، ومن هذا النبع القرآني الفياض، نبتت داخلها شاعرةٌ فصحى تكتب القصيدة بحروف تنبض إحساساً، موزونة على كفة الأخلاق والحكمة، تحمل جزالة اللفظ، وعمق العاطفة، وشموخ القوافي التي تذكرنا بوقار وهيبة الشعر العربي القديم.
كأن القدر كان يختبر عمق هذا الشغف باللغة إذ جاءت رياح تنسيق الأقدار بالثانوية العامة بما لا تشتهي، فالتحقت بكلية التجارة قسم «المحاسبة» وتخرجت فيها بتفوق.
ولكن خلال دراستها عانت جفاء لغة الأرقام، وبعد تخرجها فيها انحازت لنداء قلبها الشاعري، والتحقت بكلية الآداب، لتعيد صياغة حلمها في أحضان اللغة، مؤمنةً بأن الكلمة الصادقة عملة لا تفقد قيمتها في بورصة الأيام أبداً.
هذا الشغف تبدّى لها كنبوءة مبكرة في طفولتها، منذ أول مرة ظهور في الإذاعة المدرسية بالمرحلة الابتدائية، بصوت لفت جماله الحاضرين في طابور الصباح.
التقط ذكاء أحد المعلمين تلك النبرة الفريدة، ورأى في تفاصيلها مجداً قادماً، فقدم لها أول طاقة تشجيع، لتنطلق بعدها، ويكبر الحلم وتصبح رئيسة الإذاعة المدرسية في المرحلة الثانوية ثم تكبر أحلام الصبا حتى تصبح حقيقة في ذروة الشباب وتصبح من حارسات الفكر بالإذاعة المصرية، ببرامج ثقافية عميقة ومتنوعة، ظلت نافذة فلسفية تحرس وعي الإنسان عبر الزمان، وصارت بطلة الحكاية التي يُنصت إليها بالقلب.
وحين انتقلت نهى الرميسي من منطوق الوعي إلى مكتوبه، حملت معها إلى عالم الرواية ذات الروح القلقة، المهمومة بقضايا الإنسان والوطن.
وكانت في إبداعها الأدبي مترفعة عن الابتذال، تكتب بأدبٍ جمّ وعمقٍ آسر، عازفةً عن الفجاجة أو استغلال التابوهات العارية كأدوات مجانية للإثارة الرخيصة، وتوقن أن الأدب ارتقاء بالروح، حيث يمكن مناقشة أعتى الأفكار وأكثرها تعقيداً بنبل الكلمة ورهافة الحس، دون خدشٍ لوعي القارئ أو حياء انطباعه.
إن إحالة هذا الصوت «الاستثنائي» - الذي لا يزال يفيض بالعطاء - إلى التقاعد من العمل تُعد خسارة جسيمة للإذاعة المصرية، التي لطالما ارتوت من رقي برامجها وعذوبة أدائها.
ولكن.. إذا كانت قوانين الوظيفة تعترف بالتقاعد، فإن محبتها النابضة في قلوب قرائها ومستمعيها ستظل خالدة، ولن تقوى يد على إقصائها من ذاكرة جمهورها، أو إزاحة اسمها من أرشيف «الأجمل» في تاريخ ما قُدِّم عبر ميكروفون المصرية والعربية.

عمر حسانين يكتب: «حروب التفاهة واللغة الخشبية»
أهمية اتحاد الشاغلين
فتش عن إسرائيل!





