سرادقات العزاء «موت وخراب بيوت»!

الأهالى: تكلفة «الفراشة» نار.. والحل فى دور المناسبات

سرادقات العزاء
سرادقات العزاء


«موت وخراب بيوت»، هذا هو لسان حال أهالينا فى الأرياف، بعدما تحولت الجنائز ومراسم العزاء، إلى حالة من التفاخر والتباهى بين العائلات والقبائل، فلم يعد الموت ينتهى بدفن الجثة وغلق باب المدافن، بل أصبح يبدأ من هنا، حيث تحول واجب العزاء إلى تحميل أهل المتوفى مالايطيقون، إنفاق مبالغ فيه، ونوع من التفاخر بين العائلات، حول اسم الشيخ المقرئ، وأجره، وكلما ارتفع أجر المقرئ وكان من نجوم الفضائيات، انتشى أهل المتوفى، وامتدت حالة التفاخر إلى نوع «الصوان والفراشة» التى سيتم بها استقبال المعزيين، بل وصل الأمر إلى ذبح العجول بحد أدنى عجل واحد قيمته لاتقل عن ٧٠ الف جنيه، وتجهيز خيمة «للطبخ» والتعاقد مع طباخ بمبلغ وقدره، لكى يعد الطعام على أعلى مستوى للمعزين من المحافظات المجاورة.. «الأخبار» فى هذا التحقيق تتاقش هذه الظاهرة المستفزة، مع خبراء علم الاجتماع والإعلام، من حيث آثارها النفسية والاجتماعية، ورأى الدين فيما تحمله فى طياتها من تبذير ومخالفات شرعية.

يقول الحاج عبدالوهاب البغدادى إن أسعار اقامة سرادقات العزاء، أصبحت فى متناول الأثرياء فقط، فلم يعد هناك فارق بين فراشة العزاء أو الفرح، فكلاها أصبحت بعشرات الآلاف من الجنيهات، وأضاف أثناء وفاة والده طلب من أحد متعهدى الفراشة إعداد فراشة لاستقبال المعزين فتفاجأ ان الفراشة الآن أصبحت بنظام الشرائح وأقل شريحة بـ10 آلاف جنيه عبارة عن مجموعة كراسى صغيرة و«حبلين نور «وفراشة صغيرة تتسع لـ30 فردا على الأكثر وبدون بوفيه وفى هذه الشريحة تكون بدون كرسى كبير للشيخ، لأنها فى الغالب تقوم على فلاشة أو سماعة، ثم بعد ذلك توجد شريحة اخرى متوسطة بتكلفة 20 ألف جنيه وهى عبارة عن فراشة أكبر فى المساحة عن الشريحة الأولى وتتسع إلى 60 فردا ويكون بها انارة أكثر بإضافة كشافين كبيرين من أجل التصوير بالنسبة للشيخ أو أهل المتوفى وبها كرسى استقبال كبير للشيخ وطقم سماعات بجودة متوسطة، أما الشريحة الكبرى فحدث ولا حرج فيكون سعرها على حسب ما يتم فيها فتكون لكبار العائلات من الاثرياء وأصحاب السلطة فيطلب فيها اشياء محددة منها ان تكون الكراسى أول استخدام أو ثانى استخدام لتليق باستقبال ضيوف أهل المتوفى! ويكون بها بوفيه مفتوح من طلبات «قهوة بكافة أنواعها، شاى «أحمر- أخضر»، ينسون، نعناع، مياه معدنية «ويكون للبوفيه «ريس» مسئول عن العمالة وبزى يليق باستقبال الضيوف، لتلبية طلبات المعزين، كما يوجد فى هذا السرادق «مبخرة «كبيرة من أجل إضافة روائح معطرة إلى الصوان، كما يشمل الصوان فراشة جديدة، ذات اللون الذهبى حتى تظهر بشكل به نوع من الفخامة فى التصوير، وتتراوح أسعار هذه النوعية ما بين 50 إلى 100 ألف جنيه، حيث يتم تزويدها بأنظمة صوت خاصة، بأوامر بعض المقرئين الذين يطلبون نوعا معينا من السماعات والأنظمة الصوتية من أجل الحفاظ على جودة صوتهم فى التلاوة.
ويقول المهندس هشام عادل أحد رافضى الظاهرة، انه أثناء وفاة والده لم يتجه إلى الفراشة فى الشوارع بل قام باستقبال المعزين فى مسجد القرية الخاص بهم حيث إن المساجد أسعارها لا تزيد على 500 جنيه بشكل رسمى ويقوم صاحب العزاء بإضافة بعض الاشياء على نفقته الخاصة مثل نظام صوت وسماعتين داخلتين فى المسجد، وأوضح ان هناك اشياء اخرى بديلة مثل دار المناسبات الملحقة فى بعض المساجد وكذلك التابعة لبعض الجمعيات الخيرية أو الشرعية وهذه الدور تختلف أسعارها على حسب أماكنها من قرية إلى مدينة ومن منطقة إلى اخرى مميزة، وتترواح أسعارها من ألفى جنيه إلى 15 ألف جنيه.
وفى المقابل أوضح أحد المتعهدين فى مجال اقامة الفراشة رافضا ذكر اسمه خوفا أن «كل شىء ارتفع «ولذلك أسعارنا هى الأخرى رفعت، لان كل شىء زاد، بداية من أسعار الكراسى والفراشة والتى تضاعفت خلال السنوات الماضية إلى ثلاث مرات. كما ان أسعار الكشافات والاضاءة رفعت، واثناء اقامة بعض الليالى يكون هناك هالك فى الكهرباء وبعض الفراشة ونقوم بشراء بديل جديد لها وهذا على حساب المتعهد وليس صاحب الليلة، كما ان اسعار المواد المستخدمة فى البوفيه رفعت فهناك على سبيل المثال كيلو القهوة رفع من 400 جنيه إلى ألف جنيه وكذلك اسعار الشاى الأحمر والاخضر وهذا كله يتم تحميله على صاحب الليلة. كما ان هناك بعض السماعات «بتطير» أى تتلف وهذا ايضا على حساب المتعهد كما ان نقل الادوات وتركيبها وفكها بعد انتهاء الليلة على حساب المتعهد وبالتالى لن يخسر المتعهد من أجل صاحب الليلة.

أسعار المقرئين تتجاوز ٦٠ ألف جنيه فى أقل من ساعتين!

بعيدا عن الفراشة والانارة تكتمل التكاليف الخرافية لليالى العزاء باسم المقرئ الذى سيقوم بتلاوة القرآن الكريم فى السرادق، فهناك شيوخ تبدأ من ألف جنيه ودائما ما يكونوا من نفس القرية أو النجع أى الحارة وشيوخ من الشريحة المتوسطة بـ 10 آلاف جنيه من خارج القرية إلى أن نصل إلى شيوخ من قراء اذاعة القرآن الكريم والتليفزيون ويصل أجره إلى 50 ألف جنيه وأكثر.. فيقول المهندس أحمد جمال: عندما توفى والدى وكان علينا تواجد شيخ يليق بمنزله، وتم الاتصال على العديد من متعهدى الشيوخ الذين هم على صلة بالشيوخ الكبار، وتم الاتفاق على شيخ محدد سيحضر لاقامة العزاء من القاهرة. فكان هناك شروط واضحة للقارئ قبل ان يتحرك من القاهرة وهى تحويل المبلغ كله إلى حسابه ويصل أحيانا 60 الف جنيه، ألف جنيه فى الدقيقة، ويتم إعداد وطهى 3 كيلو لحوم للقارئ ومساعده والسائق الخاص به ويتم طهيها بطريقة محددة ويكون تواجد الشيخ لمدة ساعة ونصف فقط، وبالفعل قمت بتحويل المبلغ على حساب بنكى قبل ان يتحرك من القاهرة إلى محافظتى. واعددت له ما طلب من غداء وبالفعل حضر إلينا العزاء وقدم تلاوة على مدار ساعة ونصف فقط، وطلب إذا كنا نريد رفع فيديو لهذه الليلة باسم المتوفى على صفحته على الفيس بوك ان يتم دفع مبلغ وقدرة عشرة آلاف جنيه!
ويضيف أحمد مصطفى أصبحنا الآن نقوم بحجز القارئ إذا شعرنا ان المريض ينازع، حيث يتم الاتصال على القارئ للاتفاق على «السعر» ثم بعد وفاة المريض يتم الاتصال لتأكيد الحجز وتحويل المبلغ بالكامل له قبل تحركه إلينا، ويشير إلى ان بعض القراء يشترطون وجود سيارة فاخرة لا تقل عن مرسيدس لنقلهم من منازلهم إلى مقر العزاء ثم العودة به بعد انتهاء العزاء ووجود كاميرا فيديو لتصوير الليلة وبدقة عالية حتى يتمكن من رفعها على قناته على اليوتيوب.
وفى المقابل عرضنا على قارئ شهير ما قاله بعض الأهالى فاجاب ان هناك فتوى صادرة عن مفتى الجمهورية الأسبق د. شوقى علام رقم 7594 لسنة 2023 اجاز فيها تلقى أجر على تلاوة كتاب الله تعالى فى المناسبات والمآتم وسرادقات العزاء بشرط ألَّا يكون الغرض من ذلك هو المباهاة والتفاخر بل إقامة سُنَّة العزاء وأضاف ان حصولنا على أجر قراءة القرآن حلال شرعا ونوصى الحاضرين أن يَستَمِعوا ويُنْصِتُوا لتلاوة القرآن الكريم فى خشوعٍ وتأدب يليقان بكتاب الله تعالى.