فى السنوات الأخيرة، تحوّل ملف المقابر فى مصر من كونه احتياجًا إنسانيًا مرتبطًا بلحظة فَقْد وألم، إلى سوق مفتوح تحكمه قواعد العرض والطلب، تتصدره إعلانات مستفزة، وأسعار صادمة، ومشروعات تمتد إلى مناطق نائية وبعيدة عن الكتل السكنية، مما أثار حالة من الجدل والغضب المجتمعي.. ومع تصفح مواقع التواصل الاجتماعى أو بعض المنصات الإلكترونية، تظهر إعلانات لبيع المقابر بلغة تسويق العقارات الفاخرة: «مقبرة VIP»، «مدفن تشطيب سوبر لوكس»، «تقسيط بدون فوائد»، «موقع مميز». إعلانات لا تراعى حساسية الموقف ولا قدسية الموت، وتتعامل مع المقبرة باعتبارها سلعة استثمارية، لا مكانًا أخيرًا للراحة والسكينة. اللافت أن هذه الإعلانات لا تستهدف الفئات القادرة فقط، بل تُروَّج أحيانًا باعتبارها «فرصة لا تُعوَّض»، مستغلةً خوف المواطنين من المستقبل وارتفاع الأسعار، وهو ما حوّل فكرة الاستعداد للموت إلى مشروع استثمارى مبكر لدى بعض الأسر. أما الأسعار، فقد شهدت المقابر قفزات غير مسبوقة خلال فترة قصيرة؛ فمقابر كانت تُباع بعشرات الآلاف تجاوزت اليوم مئات الآلاف، وفى بعض المناطق تخطت ملايين الجنيهات.
ولم يتوقف الأمر عند الأسعار فقط، بل امتد إلى مواقع المقابر الجديدة التى باتت تُنشأ فى مناطق صحراوية بعيدة، تفتقر فى كثير من الأحيان إلى الطرق الممهدة أو وسائل المواصلات أو الخدمات الأساسية، مما يفرض عبئًا إضافيًا على الأسر، خاصة كبار السن، فى زيارات القبور أو قراءة الفاتحة، ويطرح تساؤلات إنسانية حول كرامة الميت وحق ذويه فى الوصول إليه بسهولة. البعد الجغرافى للمقابر الجديدة خلق واقعًا قاسيًا، حيث تتحول الجنازات أحيانًا إلى رحلات طويلة، تزيد من معاناة الأسر فى لحظات الحزن، وتضيف أعباء مادية ونفسية لا داعى لها.
غياب قواعد واضحة للإعلان، وعدم وجود تسعير استرشادي، وترك الأمر بالكامل لقانون العرض والطلب، فتح الباب أمام استغلال حاجة الناس، وتحويل إحدى أكثر اللحظات إنسانية إلى صفقة تجارية بحتة.
بيزنس المقابر اليوم لم يعد مجرد قضية أسعار، بل ملفًا اجتماعيًا وإنسانيًا واقتصاديًا يحتاج إلى تدخل وتنظيم يوازن بين حق الدولة فى التخطيط العمراني، وحق المواطن فى الدفن الكريم، بعيدًا عن الاستغلال والإعلانات التى تُسيء لحرمة الموت قبل أن تُرهق الأحياء.
التقت «الأخبار» سمير بركات (46 عامًا)، الذى اشتكى من استفزاز الإعلانات وغلاء الأسعار، وترك ملف المقابر ليصبح سلعة تخضع للعرض والطلب، متسائلًا: لماذا لا تتدخل الدولة ببناء وتخصيص قطع أراضٍ للمقابر، بدلًا من ترك الأمر للشركات؟ وأكد أن والده حصل على مقبرة من محافظة القاهرة منذ ما يقرب من 30 عامًا، عندما كانت المحافظة تطرح المقابر بنظام القرعة وبأسعار مخفضة.
أما إيهاب عبد الكريم (52 عامًا)، من سكان القاهرة، فأكد أنه تعرّض لموقف بالغ الصعوبة عندما توفيت زوجته فجأة، ففوجئ بأسعار تتخطى أثمان الشقق الفاخرة، واضطر فى النهاية إلى الاستدانة لدفع مقدّم وشراء مقبرة بالتقسيط فى مدينة العاشر من رمضان، رغم إقامته فى محافظة القاهرة. وأضاف قائلًا:
«كنت أظن أن أصعب ما يمكن أن يمر به الإنسان هو فقدان عزيز، حتى فقدت زوجتي، فلم أجد مكانًا أدفنها فيه، ووجدت نفسى عاجزًا عن تكريمها بعد موتها ودفنها، وهذا أبسط حق لها بعد وفاتها. عندها فقط عرفت أن هناك أمورًا كثيرة أصعب من الفقد.»
دليل استرشادي
من جانبه، قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، إن الدولة لا بد أن تتدخل كما كانت تفعل فى السابق، وألا تترك هذا الملف فى يد الشركات، مؤكدًا أن حساسية وقدسية الموت والدفن لا تقبل الخضوع لمبدأ العرض والطلب، ولا يجوز معاملة المقابر معاملة السلع.
وأشار إلى أن الحكومة هى الجهة التى تمنح التراخيص للشركات للبناء وإدخال المرافق، ولا بد أن تتدخل لوضع دليل استرشادى للأسعار، بدلًا من ترك الأمور تصل إلى ما آلت إليه من إعلانات مستفزة لا تراعى حرمة الموت، وترك المجال للعديد من الوسطاء الذين يضاعفون الأسعار ويمارسون جشعهم فى موقف لا يحتمل الجشع.
واختتم حديثه قائلًا: «ربما يكون من الجائز أن نواجه أزمة فى السكن فى الدنيا، لكن من غير الجائز أن نواجه أزمة فى الدفن بعد الموت».
تغيّر منظومة القيم
ترى د. فاتن سلامة، خبيرة العلاقات الإنسانية، أن ظاهرة «بيزنس المقابر» تعكس تحولًا خطيرًا فى منظومة القيم المجتمعية، حيث انتقلت المقبرة من رمز دينى وإنسانى مرتبط بالرحمة والسكينة إلى سلعة تخضع لمنطق السوق والمكانة الاجتماعية.
وتوضح أن الإعلانات المستفزة للمقابر ليست مجرد تجاوز أخلاقي، بل مؤشر على قبول اجتماعى متزايد لتسليع كل شيء، حتى أكثر اللحظات خصوصية وحساسية فى حياة الإنسان. وتشير إلى أن استخدام مصطلحات مثل «VIP» و»سوبر لوكس» فى سياق الموت يعكس خللًا فى الوعى الجمعي، ويعيد إنتاج الفوارق الطبقية حتى بعد الوفاة.
وتؤكد أن الارتفاع الحاد فى أسعار المقابر يفرض ضغوطًا نفسية واجتماعية هائلة على ذوى المتوفين، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على اتخاذ قرارات مصيرية فى لحظة صدمة وحزن، مما يفتح الباب للاستغلال.
وتشدد على أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على التدخل الحكومى والتنظيمى فقط، بل تحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الوعى الاجتماعي، وترسيخ قيم الاعتدال، واحترام قدسية الموت، والتأكيد على أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بالمكان أو السعر، بل بحق الإنسان فى دفن كريم متاح للجميع دون تمييز.

الأهالى: تكلفة «الفراشة» نار.. والحل فى دور المناسبات
سوق على الرصيف| لقمة العيش وحق المرور معادلة تبحث عن توازن
إخوان كوهين| فضيحة التنسيق مع الصحفى الاسرائيلى تعرى سياسات الجماعة





