قلم جرىء

مملكة «الفريزة»

محمد وحيد
محمد وحيد


تتحول التجمعات السكنية فى الكثير من الأحيـاء إلى قنابل موقوتة تهدد أمن وسلامة القاطنين بها، وذلك بسبب الانتشار العشوائى لمخازن الكرتون ونشاط فرز القمامة بين البنايات السكنية، فهذه الأنشطة التى تبدو للبعض مجرد أعمال تجارية بسيطة، تحمل فى طياتها مخاطر كارثية تتجاوز التشوه البصرى والبيئى، فالكرتون والمخلفات الورقية والبلاستيكية تعد من المواد شديدة الاشتعال، ووجودها بكميات ضخمة فى أماكن تفتقر لأدنى مقومات السلامة والأمان بالأحرى فهى شرارة عابرة، سواء كانت ناتجة عن ماس كهربائى أو إهمال كفيلة بإشعال حرائق هائلة يصعب السيطرة عليها، وتنتقل بسرعة النيران إلى الشقق السكنية المجاورة مهددة أرواح الأبرياء.. علاوة على ذلك فإن عمليات فرز النفايات وسط الأحياء تخلق بيئة مثالية لتكاثر الحشرات، والقوارض، وانبعاث الروائح الكريهة، مما يؤدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض الصدرية المزمنة بين السكان، لاسيما الأطفال وكبار السن.. وتزداد الخطورة تعقيدًا عندما ندرك أن معظم هذه المخازن وأماكن الفرز تقع فى حارات ضيقة وأزقة يصعب على سيارات الإطفاء والإسعاف دخولها فى حالات الطوارئ، مما يرفع من احتمالية وقوع خسائر بشرية ومادية فادحة.. واستمرار هذا الوضع يمثل انتهاكًا صارخًا لحق المواطن فى العيش فى بيئة آمنة وصحية، ويفرض ضغطًا هائلًا على البنية التحتية للأحياء السكنية غير المؤهلة لاستيعاب مثل هذه الأنشطة الخطرة.. وأخيرًا وليس آخرًا، فإن التصدى لهذه الكوارث وإنهاء خطرها قبل حدوثه يتطلب حلًا جذريًا وحاسمًا لا يكتفى بالمسكنات المؤقتة، و يكمن هذا الحل فى التطبيق الصارم للقوانين وتفعيل الرقابة الميدانية الدائمة من قبل الجهات المحلية لإغلاق هذه المخازن فورًا وتجريم نشاطها داخل المناطق السكنية، وذلك يوازى خطوة تنظيمية كبرى تتمثل فى إنشاء مناطق لوجستية وصناعية متكاملة خارج النطاق العمراني، مخصصة لتدوير النفايات وتخزين الكرتون، وتتوفر بها أعلى معايير الأمن الصناعى والسلامة المهنية، كما يجب دمج العاملين فى هذا القطاع غير الرسمى ضمن هذه المنظومة الجديدة لحماية مصدر رزقهم وتأمين المجتمع فى آن واحد، مع تفعيل خطوط ساخنة لتمكين السكان من الإبلاغ عن أى مخالفات، لقطع دابر الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة إنسانية.