كل يوم

النمو والمعيشة

منصور كامل
منصور كامل


لم يكن تحقيق معدلات النمو الاقتصادى المرتفعة يومًا هدفًا نهائيًا فى حد ذاته، بل هو مجرد وسيلة وأداة لتحقيق الغايات الأسمى لأى دولة: رفع مستوى معيشة المواطن، وتوفير خدمات صحية وتعليمية تليق بآدميته، وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة تلبى تطلعات أبنائه.
فى الاقتصادات النامية ومنخفضة الدخل، تظل الغاية الكبرى هى تحقيق «النمو المستدام»؛ ذلك النمو الذى لا يكتفى بالقفز لعام أو عامين، بل يستمر لسنوات طويلة ليحدث طفرة وتضاعفًا حقيقيًا فى الناتج المحلى الإجمالى. ولكن، يظل هناك فجوة زمنية وهيكلية تفصل بين الأرقام الصماء فى التقارير الحكومية وبين جيوب المواطنين وطاولات طعامهم.
حاولت النظريات الاقتصادية المتعاقبة الإجابة عن سؤال حول كيفية شعور المواطن بأثر معدل النمو، فتارة حدثونا عن نظرية «تساقط الثمار» (Trickle-down theory) التى تفترض أن ثراء القمة سيتسرب تلقائيًا للقاع، وتارة عن «النمو الاحتوائى» (Inclusive Growth)، وما بينهما من نظريات كلاسيكية وحديثة. ولكن بعيدًا عن تعقيدات الأكاديميين، فإن الإجابة الحقيقية تكمن فى البساطة.
فلسفة الثمار: لن يشعر المواطن بالنمو إلا عندما تصبح شجرة الاقتصاد قريبة من متناول يده؛ حين يجد وظيفة بمرتب عادل، ومستشفى حكوميًا يقدم علاجًا كريمًا، ومدرسة عامة تبنى عقل ابنه دون أن تستنزف مدخراته، وبنية تحتية تيسر حياته اليومية. النمو الحقيقى هو الذى يُترجم إلى أمن اجتماعى ونفسى للمواطن البسيط.
لا يمكن قراءة المشهد الاقتصادى المصرى بمعزل عن الجغرافيا؛ فموقع مصر الاستراتيجى المميز، بقدر ما هو نعمة وهبة كبرى، بقدر ما وضعها تاريخياً فى قلب العواصف والصراعات الإقليمية بالشرق الأوسط. إن الحروب والنزاعات المحيطة بنا تفرض ضغوطًا مستمرة وتخلق حالة من عدم اليقين الاقتصادى.
إن ما تشهده مصر اليوم من ثورة فى البنية التحتية، وضخ مليارات الجنيهات فى موازنات التعليم والصحة، وبناء المدن الجديدة، هو الخطوة الهيكلية الصحيحة. فالاستثمار فى «العنصر البشرى» وبناء الإنسان هو الضمانة الوحيدة لتحويل النمو الرقمى المؤقت إلى تنمية مستدامة شاملة.