بعد الاختصار

شهادة تُقرأ بعناية

عمرو جلال
عمرو جلال


الدولة التى تستحق هذه المكانة هى التى لا يمكن لأى ترتيب إقليمى أن يكتمل بغيابها.
 

فى توقيت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعقد فترات تاريخها المعاصر، حيث تتأزم وتنفجر وتنفرج التوترات والصراعات بين عشية وضحاها، صدرت شهادة دولية لافتة عن مصر تستحق أن تُقرأ بعناية، فهى صادرة من قلب أكبر مطابخ الفكر الاستراتيجى فى الغرب..

مركز بيلفر للعلوم والشئون الدولية بجامعة هارفارد وهو إحدى المؤسسات البحثية العريقة التى تصوغ ملامح السياسة الخارجية الأمريكية.. المركز نشر بحثا هاماً يحلل بعيون علمية ورصينة أبعاد المشهد المصرى ومكانة القاهرة الدولية.

التقرير صدر الاثنين الماضى ضمن مشروع بحثى يعمل على تقييم أدوار الدول التى تؤثر فى النظام الدولى دون أن تنتمى إلى نادى القوى الكبرى.
يؤكد بحث هارفارد فى سطوره الأولى أن مصر ليست مجرد دولة إقليمية تديرُ شئونها الداخلية، بل هى لاعب محورى أساسى يقع عند نقطة تقاطع ثلاث قارات وبحرين. ويصنف التقرير مصر «قوة متوسطة» بكل ما يعنيه المصطلح فى الأدبيات الأكاديمية الدولية، وهو وصف يُمنح عادة لدول مثل كندا وكوريا الجنوبية وأستراليا.

ما يميز هذا البحث هو توصيفه الدقيق للمشهد المصرى وحضورها الدولى الفاعل ويرى أن أهم ما يميز مصر هو علاقاتها مع الجميع دون الانحياز لأحد ويصف ذلك بعبارة دقيقة تقول «مصر لديها شراكات استراتيجية دون انحياز استراتيجى».. ويصف البحث كيف نجحت القاهرة منذ عام ٢٠١٣ فى توسيع علاقاتها مع القوى الكبرى فى آنٍ واحد..

واشنطن وموسكو وبكين وعواصم أوروبية رئيسية كباريس وروما. ويؤكد البحث أن هذا التوازن الدقيق لم يكن صدفة، بل استراتيجية محسوبة. فمصر تحتفظ بعلاقة مميزة مع واشنطن دون أن تعادى موسكو، وتنضم إلى بريكس دون أن تزعزع ثقة الغرب فيها. وهو ما يصفه الباحثون بأنه ذروة «الأداء الدبلوماسي» بأعلى أشكاله احترافية.

ويخصص البحث فصلاً كاملاً عن تاريخ مصر كقوة سياسية وعسكرية، مؤكداً أن هذا الإرث لا يزال يُضخّ دماً فى شرايين الدبلوماسية المصرية حتى اليوم. فمصر التى كانت من مؤسسى حركة عدم الانحياز، وأول دولة عربية تخوض حرباً و سلاماً مع إسرائيل، وصاحبة أكبر جيش فى المنطقة تجلس على رصيد استراتيجى يصعب تجاهله.. فهى لا تزال أكثر دول العالم العربى تعداداً، وأبرز قواها العسكرية، والوسيط الرئيسى فى مسار السلام الإسرائيلي- الفلسطيني.

ويشير البحث إلى نموذج «اقتصاد المشاريع العملاقة» التى عملت عليه مصر ويوثق أن القاهرة أنفقت ما يعادل ٣٢٣ مليار دولار على مشاريع البنية التحتية وحدها خلال العقد الماضي، شاملةً الطرق والموانئ والسكك الحديدية، فضلاً عن العاصمة الإدارية الجديدة التى تُقدَّر تكلفتها بـ٥٠ مليار دولار إضافية.

ويقرأ بحث هارفارد تلك المشاريع ليس فقط باعتبارها إنفاقاً عاماً، بل باعتبارها أداة استقطاب للاستثمار الخارجى وأداة قوة دبلوماسية. فتوسيع قناة السويس فتح أبواباً مع موسكو وبكين وأوروبا. والعاصمة الإدارية الجديدة استقطبت شركات صينية وخليجية وأوروبية. ومحطة الضبعة النووية عمّقت الشراكة مع روسيا فى الطاقة.

ويخصص البحث مساحة مهمة لتقييم الدور الإقليمى لمصر، معترفاً بأنها فى السنتين الأخيرتين أعادت تفعيل حضورها على عدة جبهات متزامنة.. للوساطة فى غزة، والملف النووى الإيراني، وتهدئة التصعيد فى جنوب لبنان، ودعم الاستقرار فى السودان وليبيا.

وما يضفى قيمة استثنائية على هذه البحث أن هارفارد يصف مصر بأنها «ثقل إقليمى لاغنى عنه»، وهو وصف يحمل دلالات فى التقاليد الفكرية الأمريكية. فالدولة التى تستحق هذه المكانة هى الدولة التى لا يمكن لأى ترتيب إقليمى أن يكتمل بغيابها.

مركز بيلفر ليس صحيفة رأى أو منبراً إعلامياً. إنه المصنع الفكرى لصانعى القرار الأمريكيين، المكان الذى يمر منه وزراء الخارجية ومستشارو الأمن القومى ومحللو المخابرات المركزية قبل توليهم مناصبهم ..

المركز أيضا رائد عالمياً فى مجالات الأمن القومى والدبلوماسية، وسياسات العلوم والتكنولوجيا ويربط بين الأكاديميين وصناع القرار لتقديم حلول قائمة على الأدلة لأبرز تحديات العالم. وحين يصدر عن هذا الصرح العلمى بحث يحلل الدور المصرى بتلك الرؤية، فهذا يعنى أن هذا التقييم هو ما يتم التعامل به داخل غرف اتخاذ القرار فى واشنطن ولندن وبروكسل.

كما أن التقرير صدر فى لحظة اختبار صعب.. منطقة تشتعل بحرب إيرانية وتوترات فى البحر الأحمر وأزمة غزة لم تحسم مؤكدا أن مصر تمكّنت من استخلاص الفائدة من موقعها الجيوسياسى وتاريخها وتعزيز علاقاتها مع الدول الكبرى مع تجنب فخاخ الانحياز لطرف دون آخر، فتلك شهادة تستحق أن تُقرأ بعناية.