معدات عسكرية فى قاع البحر الأحمر

«مواقع الغوص البديلة» تحمي الشعاب المرجانية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


ندى‭ ‬البدوى

 

تتعرض الشعاب المرجانية فى البحر الأحمر لضغوطٍ متنامية نتيجة الزيادة الكبيرة فى أعداد الغواصين وممارسى الأنشطة البحرية، وما يترتب عليها من الاستخدام المُفرط وتجاوز معدلات الغوص الآمن على الحيود المرجانية، مما دفع خبراء البيئة البحرية إلى البحث عن حلول تتيح استمرار النشاط السياحى دون استنزاف الموارد الطبيعية. وفى مواجهة هذه الضغوط تبرز مواقع الغوص البديلة والحيود المرجانية الصناعية كأحد الحلول الهادفة إلى حماية هذه الموارد الحساسة، وتعزيز سياحة الغوص على حُطام السفن والمعدات العسكرية الغارقة، فضلاً عن الأهمية البيئية لهذه المواقع بتحوّلها مع الوقت إلى موائل جديدة للأسماك والكائنات البحرية.

قبل ثلاث سنوات بدأت جمعية المحافظة على البحر الأحمر هيبكا بتنفيذ مشروع رائد لإقامة مواقع غوص جديدة، تعتمد على إغراق معداتٍ عسكرية مكهّنة تعود إلى حقبتى الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مما يُعد بمثابة المتحف الأول من نوعه تحت الماء قبالة سواحل مدينة الغردقة، وهو المشروع الذى تخطط الجمعية لاستكماله قريبًا بالتنسيق مع محافظة البحر الأحمر ووزارة التنمية المحلية والبيئة، حسبما يوضح نور الدين فريد المدير التنفيذى لهيبكا.

وأشار فى حديثه لآخرساعة إلى أن فكرة المشروع استندت بالأساس إلى دراساتٍ عديدة أجراها خبراء هيبكا حول القدرة الاستيعابية للشعاب المرجانية، خاصة فى منطقة أبو رمادة، حيث أظهرت النتائج أن بعض المواقع كانت تستقبل أعدادًا تفوق بكثير الحدود الآمنة، فبينما تتراوح السعة الاستيعابية المستدامة لبعض المواقع حول 22 إلى 23 ألف غوصة سنويًا، كانت تسجل ما يقرب من 200 ألف غوصة فى العام الواحد، ما يُمثل ضغطًا هائلاً عليها.

وأضاف: من هذا المنطلق وضعت الجمعية خطة لإنشاء سبعة مواقع بديلة بالقرب من مناطق الغوص الأكثر ازدحامًا، بحيث تستوعب جزءًا من الحركة السياحية وتوفر تجربة مختلفة للغواصين فى الوقت نفسه، وحتى الآن تم تنفيذ ثلاثة مواقع شملت إغراق مجموعة من الدبابات والمدرعات والمركبات البرمائية القديمة التى حصلنا عليها من القوات المسلحة، فى مواقع عروق الطويل وعرق جامع وشعب السقالة، على أن نستكمل المواقع الأخرى قريبًا، ونخطط أيضًا لإضافة عناصر جديدة قد تشمل طائرة عسكرية.

فيما يؤكد الدكتور محمود حنفى أستاذ البيئة البحرية بجامعة قناة السويس والمستشار العلمى لجمعية هيبكا أن أهمية المشروع لا تقتصر على توفير مواقع جديدة للغوص، بل تكمن فى دوره المهم فى تخفيف الضغط عن الشعاب المرجانية الطبيعية، التى تُعد -رغم ثرائها الشديد- موارد شديدة المحدودية، فهى تحتل مساحة ضئيلة للغاية من المساحة الكليّة للبحر الأحمر، الذى يمكن وصفه على أنه اصحراء مائيةب شحيحة المخصبات، فالتدفقات السياحية غير المدروسة فى نطاق الغردقة كما يرى، تسببت فى تخطى السقف الآمن للأنشطة البحرية بمراحل خطيرة.

ويوضح أن مصر كانت من أوائل دول المنطقة التى بنت جزءًا كبيرًا من نشاطها السياحى على الموارد الطبيعية البحرية، وهو ما رفع القيمة الاقتصادية للشعاب المرجانية والدلافين والسلاحف وأسماك القرش، إلا أن التوسع السياحى لاحقًا انصب على زيادة أعداد الفنادق والزوار أكثر من مراعاة القدرة الاستيعابية للبيئة البحرية. إلا أن المشكلة برأيه لا ترتبط فقط بأعداد الزوار، بل أيضًا بالتحديات المتعلقة بإدارة المنظومة البحرية والرقابة على المخالفات والتجاوزات التى تحدث، ما يجعل البحث عن بدائل عملية ضرورة ملحة.

وتؤدى الهياكل الغارقة أيضًا وظيفة بيئية إضافية، كما يوضح نور الدين فريد، حيث تتحوّل تدريجيًا إلى موائل متكاملة توفر الغذاء والمأوى للأسماك والعديد من الكائنات البحرية، والتى بدأت بالفعل -خلال فترة قصيرة من استقرارها فى القاع- بالتجمع حولها، حيث تظهر أولاً الطحالب والكائنات الدقيقة التى تكوّن الشِعاب الرخوة، لتبدأ بعدها الشعاب الصلبة وأنواع مختلفة من المرجان بالنمو على أسطح هذه الهياكل. 

ويثمن حسن عبدالله الذى يعمل مدربًا للغوص بالغردقة منذ 11 عامًا أهمية مواقع الغوص البديلة، مشيرًا إلى أنها تجذب أعدادًا متزايدة من الغواصين الراغبين فى خوض تجربة مختلفة قائمة على استكشاف الحطام والمعدات الغارقة، لكنه يرى أن المشروع ما زال يواجه عددًا من التحديات التشغيلية التى ينبغى أخذها فى الاعتبار عند التوسع مستقبلًا، فبعض المواقع الحالية ومنها عروق الطويل وعرق جامع، تقع فى مناطق مفتوحة تتأثر بالمد والتيارات البحرية، ما يجعل الغوص فيها صعبًا فى بعض أيام السنة ويحد من ملاءمتها للغواصين المبتدئين.

ويضيف أن أعماق هذه الهياكل التى تتراوح بين 11 و15 مترًا تجعلها أكثر جذبًا للغواصين ذوى الخبرة، رغم أن النسبة الأكبر من مستخدمى الأنشطة البحرية تتكون من ممارسى السنوركلينج والغواصين الجدد، وهى الفئات الأكثر تسببًا فى المخالفات البيئية والممارسات غير المسئولة التى تؤثر على موارد الشعاب المرجانية. كما تحتاج المواقع إلى زيادة عدد الشمندورات ونقاط الربط لاستيعاب حركة المراكب المتزايدة بصورة أفضل.

ويرى عبد الله أن نجاح هذه المواقع لا يرتبط بعوامل الموقع والبنية التحتية فقط، بل أيضًا بالسردية التى تحملها، لافتًا إلى أن كثيرًا من الغواصين الأوروبيين ينجذبون إلى مواقع الحطام الشهيرة لارتباطها بقصص وأحداث تاريخية معروفة، على غرار سفن ثيسل جورم وسالم إكسبريس، وهو ما يجعل توثيق تاريخ المعدات العسكرية الغارقة وإبراز قصصها عنصرًا مهمًا لتعزيز جاذبيتها السياحية.

ومن جانبه يؤكد كريم ياسر المدير التنفيذى لغرفة سياحة الغوص والأنشطة البحرية أن الغرفة تتابع حركة القطاع بشكل يومى عبر منظومة إلكترونية ترصد الرحلات البحرية ومواقع الغوص وأعداد الغواصين وتصنيفات الأنشطة المختلفة، بما يساعد على مراقبة وضبط كثافة الاستخدام فى المواقع البحرية. وتمثل الغرفة أكثر من 300 مركز غوص، و250 مركز أنشطة بحرية، و220 يخت سفارى تعمل فى البحر الأحمر، كما تتولى نشر الاشتراطات البيئية ومتابعة المخالفات والكيانات غير المرخصة، إلا أن ضبط المنظومة بالطبع يحتاج إلى تكاتف جميع الجهات المعنية، نظرًا للزيادة الكبيرة فى عدد الرحلات، والتى تصل إلى ألف رحلة بحرية يوميًا خلال المواسم السياحية.

ويؤكد أن تعظيم الاستفادة من مواقع الغوص البديلة يتطلب جعلها أكثر ملاءمة لاستيعاب المبتدئين وممارسى السنوركلينج، باعتبارهم الشريحة الأكبر من مستخدمى الأنشطة البحرية، من خلال توفير أعماق مناسبة وزيادة الخدمات المساندة. لافتًا إلى أن نجاح هذه المواقع فى جذب هذه الفئات سيعزز قدرتها على استقطاب أعداد أكبر من الزوار، ويسهم فى تحويل جزء أكبر من الحركة السياحية بعيدًا عن مواقع الشعاب المرجانية الطبيعية، بما يدعم جهود حمايتها على المدى الطويل.

اقرأ  أيضا: وزيرة التنمية المحلية: بدء تجهيز مواقع الغوص بشرم الشيخ ورأس محمد