ماذا يحدث حين تقودك الحقائق فى اتجاه، بينما تدفعك مشاعرك إلى اتجاه آخر؟ ماذا نفعل عندما تقول الأرقام كلمتها، بينما يصر القلب على رواية أخرى؟ أو حين تبدو الوقائع واضحة أمام أعيننا، بينما يهمس لنا الحدس بعكس ذلك تمامًا؟ هنا ندخل إلى واحدة من أكثر مناطق التفكير الإنسانى حساسية وتعقيدًا؛ المنطقة التى تلتقى فيها القبعة البيضاء بالقبعة الحمراء.
يرى إدوارد دى بونو أن أحد أكبر أخطاء التفكير هو أن نحاول التعامل مع هذين العالمين باعتبارهما شيئًا واحدًا. فكل منهما له طبيعته الخاصة. وحين نخلط بينهما، لا نفهم أيًا منهما على الوجه الصحيح. تمثل القبعة البيضاء عالم الوقائع والأرقام والبيانات. إنها تسأل: ما الذى نحتاج إلى معرفته؟ وما المعلومات المتاحة أمامنا؟ وهى لا تهتم بما نحب أو نكره، ولا بما نتمناه أو نخشاه، لكن الإنسان ليس آلة حساب.
ولهذا تأتى القبعة الحمراء لتمنح المشاعر حقها فى الظهور. فالخوف، والقلق، والحماس، والارتياح، والحدس؛ كلها عناصر تؤثر فى قراراتنا، سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف. والمفارقة أن كثيرًا من الناس يخفون مشاعرهم خلف لغة منطقية تبدو عقلانية، بينما تكون العاطفة هى التى تقود القرار من الخلف.
من هنا تأتى عبقرية الكاتب. فهو لا يطلب منا أن نلغى مشاعرنا، أو أن نتجاهل الحقائق. بل يدعونا إلى الفصل بينهما، حتى نستطيع رؤية كل منهما بوضوح. فالقبعة البيضاء لا تحاكم المشاعر، والقبعة الحمراء لا تزور الحقائق. لكل منهما دوره، ولكل منهما وقته، ولعل كثيرًا من الصراعات الإنسانية تنشأ لأننا نناقش المشاعر بلغة الحقائق، أو نحاكم الحقائق بمنطق المشاعر. فنطلب من الخائف أن يقدم أرقامًا تبرر خوفه، أو نحاول إقناع الغاضب بالإحصاءات بينما مشكلته الحقيقية فى الإحساس نفسه.
لهذا لا تكمن الحكمة فى الانحياز إلى العقل ضد العاطفة، ولا إلى العاطفة ضد العقل، بل فى معرفة متى نصغى إلى كل منهما. فالحقائق تخبرنا بما هو موجود، أما المشاعر فتخبرنا بما يعنيه ذلك بالنسبة إلينا. ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت المشاعر قد تدفعنا إلى القرار، وكانت الحقائق ترشدنا إليه، فأيهما أخطر على الإنسان: أن يرى المخاطر فى كل شيء، أم ألا يراها أصلًا؟ للإجابة حديث آخر.

مجدى حجازى يكتب: «رائعة».. د. نجوى كامل
محمود بسيونى يكتب: القاهرة عاصمة «النفس الطويل»
إســـلام عفيفى يكتب: الواقعية المصرية والأمر الواقع






