رأى

حين سقطت هيبة المهن السامية

المستشار طاهر الخولى
المستشار طاهر الخولى


كلما سرنا فى الشوارع نلاحظ كثافة إعلانات الأطباء والمحامين، والأصعب تلك العبارات المُبتذلة داخلها للترويج لطبيب أو محامٍ وكأنه يُروج لسلعة استهلاكية، وعلى منصات  «السوشيال ميديا» تشاهد محامياً فى مقطع فيديو يخرج عن كل القواعد والأصول الشريفة للمهنة.. ليأتى هنا السؤال الأصعب على النفس والأثقل على الضمير: ماذا حدث للمهن السامية أصحاب الرسالات؟ ومتى تحولت تلك القامات الرفيعة إلى مجرد حسابات باردة للربح والخسارة؟! لمصلحة من يتم اليوم تحطيم أصول ومبادئ المهن فى المجتمع؟!

كنا نعيش فى زمن «الهيبة والرسالة»، زمن القامات التى صَنعت تاريخاً؛ فلم تكن القيمة فى مهن كالطب، أو التدريس، أو المحاماة، أو أساتذة الجامعات، تُقاس يوماً بحجم الأرباح على منصات التواصل الاجتماعى أو بعدد المتابعين و«اللايكات»، بل كانت تُقاس بحجم الأثر، والنزاهة، والالتزام بالقسم المهنى الذى يمثل ميثاقاً غليظاً وعهداً أمام الله والوطن لا يمكن النكوص عنه أو التلاعب به.

كيف ننسى قامات قانونية شامخة تركت بصماتها فى تاريخ مصر والعالم؟ رجالاً كانت مجرد أسمائهم فى ساحات القضاء أو فوق منابر الجامعات تمنح المكان هيبة ووقاراً . 

وعلى الجانب الآخر، قامات فى الطب لم تطلب الشهرة بل طلبتها الشهرة، كالطبيب العالمى البروفيسور مجدى يعقوب، ومن قبله المفكر الطبيب مصطفى محمود، قامات جعلت من «قسم الأطباء» دستور حياة لحماية أجساد البشر وتخفيف أوجاعهم، فكانوا يعملون فى صمت، ويعطون بلا حدود، دون أن يبتذلوا تخصصاتهم فى أسواق الدعاية الفجة والتجارة الاستهلاكية.

كانت المهنة قديماً «رسالة» تُورث تشريفاً وتكليفاً، أما اليوم، فللأسف الشديد، نشهد مظاهر غريبة ودخيلة تعصف بكل ما تربينا عليه، من هؤلاء الذين اندفعوا وراء بريق «المكاسب السريعة»، متنازلين عن الشرف المهنى لصالح «التسليع الفج» والبحث عن الشهرة الزائفة.

إن تحويل المهن إلى «منتج» يُروج له بأساليب «التسويق التجاري» عبر إعلانات تجارية يفرغ هذه الرسالات من مضمونها الأخلاقي، ويحول «صاحب الرسالة» إلى «تاجر» يلهث بحثاً عن زبون، كما نرى فى الإعلانات، وساحات «السوشيال ميديا»؛ فقد تحولت لدى البعض إلى مسرح للمتاجرة بالآلام والقضايا، بهدف خداع البسطاء وصناعة «نجومية وهمية» لا أساس لها. ولم يتوقف الأمر عند حدود الدعاية الكاذبة، بل وصل إلى حد «القرصنة المهنية»؛ فنرى اليوم فى عالم المحاماة من ينسب لنفسه أحكاماً قضائية وصيغاً قانونية لم يترافع فيها ولم يكتب فيها سطراً واحداً، وفى عالم الطب من ينسب لنفسه نجاحاتٍ علمية وطبية لم يشارك بها، فى عملية سطو علنى لصناعة بطولات زائفة على حساب شرفاء المهنة. وأمام هذا العبث المستتر، تقف النقابات المهنية - للأسف- موقف المتفرج والصامت! 

من واقع المسئولية القانونية والدستورية، نؤكد أنه قد وجب أن تعود هيبة النقابات من جديد وبشكل عاجل، وأن تفعّل أدواتها الرقابية ومجالس تأديبها بشكل أكثر حزماً لردع المخالفين.