زهور وأشواك

جلال الموت

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب


للموت جلال وهيبة توخز القلب وخزة عند سماع نبئه، تسحب عن العقل رشده ما لم يكتب الله الثبات .. إذ لا ريب أن ألم الفراق الذى يستصحب كل من تذوق زؤام الموت من آبائنا أو أمهاتنا أو إخوتنا أو أولادنا أو أعزائنا، هو ألم «صعيب» كما قال لى أحد الحكماء ذات يوم عندما رشفت رشفة ألم فقدان والدى - رحمه الله - قبل سنوات .. ألم يهز الجنبات ويفقد الصواب. 

ولعل كلاً منا يذكر كيف مرّت عليه اللحظات الأولى لنبأ الموت الذى حل بعزيز لديه، ثم كيف مرت بعدها الساعات.. ثم الأيام.. ثم السنون.. ولذلك قيل إن كل شىء فى الدنيا يولد صغيراً، ثم يكبر .. إلا مصيبة الموت.. أو بشكل دقيق «الحزن».. يولد كبيرا ثم يصغر، ولعل أيضاً كل من فارق غالياً قد شعر بوخزة الموت عند فراقه، خاصة فى الأم والأب والولد .. لأن لحظات فراق هؤلاء هى أصعب اللحظات.. وأقساها على الإطلاق.. لحظات هزت كل من مرت به بلا استثناء.. هزت محمد صلى الله عليه وسلم نفسه.. عندما مات جده.. ثم عمه.. ثم زوجته.. ثم أولاده.. وفى الأخيرة رأى الصحابة - رضوان الله عليهم - دموع الرسول الأكرم عندما ترقرقت عبراته وسقطت على وجنتيه الشريفتين فى وفاة ولده إبراهيم.. فقال له أحد الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟.. فقال حديثه المشهور: «والله إن العين لتدمع.. وإن القلب ليحزن.. وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون.. ولكن لا نقول إلا ما يرضى ربنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون».

ولقد قيل فى التخفيف عمن ألمَت به مصيبة ألم الفراق وفقد عزيزاً لديه بعيداً إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ذاق ألم فراق جميع من أحب.. مات عنه أبوه، ثم أمه، فتربى يتيما.. ثم مات جده وعمه وزوجته وولده.. فانظر أين أنت من رسول الله فى هؤلاء؟.. لقد جرت الحكمة أن يتذوق الرسول عليه الصلاة والسلام ألم فراق كل هؤلاء.. فإذا كنت قد فقدت أمك فقَد الرسول أمه.. وإذا كنت قد فقدت أباك فقَد الرسول أباه.. وإذا فقدت جدك فقَد الرسول جده.. وإذا فقدت عمك فقَد الرسول عمه.. وإذا فقدت ولدك فقَد الرسول ولده.. وإذا فقدت زوجك فقَد صلى الله عليه وسلم زوجه.
وقصة سيدنا بلال بن رباح فى تجرعه ألم فراق الرسول من أقرب القصص التى تهزنى شخصياً.. ذلك أن الرجل أقسم ألا يؤذن أبداً بعد وفاة الرسول.. غير أن المسلمين فى عهد عمر بن الخطاب عندما فتحوا بيت المقدس واستعادوا المسجد الأقصى طلبوا منه أن يصدح بأذانه فى قلب المدينة المباركة لأول مرة منذ وفاة الرسول الأكرم.. غير أن بلال فى البداية أبى ورفض لكن عمر أقنعه بأن قال له: هذا يوم عظيم فى تاريخ المسلمين يستأهل منك أن ترفع الأذان بصوتك.. فقام بلال ورفع الأذان.. وما إن جاء عند قوله «أشهد أن محمداً رسول الله» حتى أجهش فى البكاء وبكى الجميع من فرط بكائه - رضى الله عنه.. هذا جزء من آلام الفراق التى تحل بنا جميعاً بلا استثناء.. وكل على قدر طاقته وصبره وتوفيق الله له.. ولقد قال الخليفة عمر بن عبدالعزيز «.. وفى كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله.. قد قضى نحبه.. وانقضى أجله.. فتودعونه.. وتدعونه فى صدع من الأرض.. غير موسد ولا ممهد.. قد خلع الأسباب.. وفارق الأحباب.. وسكن التراب.