كرم جبر يكتب: العبث الاستراتيجى

كرم جبر
كرم جبر


ما يحدث بين إيران وأمريكا وإسرائيل، يجسد مفهوم العبثية الاستراتيجية، المستوحى من فلسفة الكاتب الفرنسى ألبير كامو.. صراع ضد الحسابات العقلانية، يتوالد فيه العنف ذاتيا، وتتحول القوة إلى وسيلة وغاية معا، كمن يدفع صخرة صوب الهاوية.. فى هذه الحروب الشيطانية لا يوجد منتصر، الكل يخسر إنسانيته قبل أن يخسر الحرب.

وما بين التهدئة والتصعيد، تحول الصراع إلى أشبه بمباراة شطرنج معقدة، ويتحرك كل طرف فوق حبل مشدود، وعينه على الخطوة القادمة لخصمه، وتكمن المعضلة الحقيقية فى تضارب الغايات وتصادم الإرادات، فبينما تسعى إسرائيل إلى فرض واقع أمنى جديد، عبر التفوق العسكرى المطلق، تدير إيران المعركة بنفس سياسى طويل، يعتمد على تشتيت جبهات الخصم واستنزافه، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تهدد استقرار النظام نفسه.

وبين هذين القطبين المشتعلين، تحاول الولايات المتحدة منع انفجار إقليمى شامل، يهدد مصالحها الحيوية فى الطاقة والممرات المائية، ولا يمكن لأى طرف فى هذه المعادلة الصعبة أن يدّعى النصر الكامل، أو يحسم الحرب لصالحه بشكل نهائى.

ويتمدد الصراع ليشمل القدرة على الصمود الاقتصادى، وتحمل كلفة الاستنزاف، وكسب معركة الوعى الرقمى والرأى العام العالمى ..حرب تفقد فيها الآلة العسكرية الأكثر تطوراً قيمتها الميدانية، إذا لم تترجم بسرعة إلى أوراق ضغط سياسية قوية على طاولة المفاوضات.

وفى هذا المشهد المعقد، يبدو الجميع غارقا فى أزمات عميقة وخيارات أحلاها مر.. أزمة دونالد ترامب تتمثل فى الحاجة الملحة لوقف الحرب،  بسبب حسابات داخلية معقدة، وضغوط حلفاء واشنطن فى الخليج وأوروبا، الذين يخشون مزيدا من تداعيات الفوضى على استقرار الاقتصاد العالمى ..

وأزمة بنيامين نتنياهو حاجته لاستمرار الحرب، وتأجيل الاستحقاقات السياسية والانتخابات النيابية، ومواجهته تحديات ميدانية قاسية فى الجنوب اللبنانى، حيث يخوض حربا لا يستطيع إكمالها أو حسمها، بسبب الضغوط المباشرة من الرئيس الأمريكى.

أما أزمة طهران فهى الأكثر خطورة وعمقاً، إذ باتت الدولة مرشحة للتفكك الذاتى والاضطراب الداخلى، من فرط الضربات العسكرية والأمنية المؤلمة، التى تعرضت لها مؤخراً، والتى لم تعد تضرب أذرعها الفاعلة فى المنطقة فحسب، بل باتت تمس الأعصاب الحساسة للنظام فى العمق، وهذا الضغط المتزايد يضع القيادة الإيرانية أمام خيارات مصيرية، بين الاستمرار فى سياسة الصبر الاستراتيجى التى بدأت تفقد فعاليتها، أو الذهاب نحو ردود فعل غير محسومة العواقب، قد تشعل المنطقة بأكملها.

وفى نهاية المطاف، تظل هذه المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات، ويدرك الجميع أن أى خطأ فى الحسابات أو تقدير الموقف، قد يحول مباراة الشطرنج الحالية، إلى حريق إقليمى شامل، لا تملك أى قوة فى العالم القدرة على احتواء نيرانه.. صراع تلاشت فيه الغايات النبيلة، ليبقى المشهد معلقا على أحد خيارين: إما مبادرات عاقلة تمهد لنهاية الحرب، أو انفجار إقليمى كارثى النتائج.