المحرك الخفى للعالم| هل تصبح الطاقة وقود الحرب العالمية الثالثة؟!

الكتاب العقلية الاستراتيجية لموسكو
الكتاب العقلية الاستراتيجية لموسكو


 

واشنطن تقاتل لحماية «البترودولار» وبكين تبحث عن طوق نجاة وروسيا تعود للساحة

 يبدو أن البعض من خلال ما يجرى من حروب وصراعات بين الدول بأسباب معلنة وأخرى خفية بات يؤمن بأن العالم فى وضعه الراهن تحكمه المصالح عوضًا عن المبادئ، بل وتُرسم خرائطه أحيانًا فوق بحيرات الدم والنفط، يحاول كتاب «النفط: الأسطورة والملحمة وقود نيران الحرب الكونية الثالثة» للكاتب د.عيد بن مسعود الجهنى تفكيك تلك الفرضية، فيقدم محاولة لقراءة الوجه الخفى للعصر الحديث من خلال سيرة النفط، و«النفط» هنا ليس مجرد مادة تُستخرج من باطن الأرض، بل قوة هائلة أعادت تشكيل السياسة والاقتصاد والحروب، وصنعت إمبراطوريات وأسقطت أخرى.

فيكشف الكتاب كيف تحولت آبار النفط إلى مراكز جذب للقوى الكبرى، وكيف أصبح الذهب الأسود محركًا للتحالفات، والانقلابات والصراعات الدولية، حتى بدا العالم وكأنه يعيش على حافة حرب كونية تُغذيها الطاقة، والمصالح، والنفوذ، ومن خلال لغة تجمع بين السرد التاريخى والتحليل السياسى، يضعنا المؤلف أمام سؤال خطير: هل كان النفط نعمة للتقدم الإنسانى، أم لعنة أشعلت نيران الهيمنة والصدامات الكبرى؟!

 

النفط ليس مجرد سلعة تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل المحرك الخفى للتاريخ الحديث

التحكم فى ممرات الطاقة البحرية والمضايق الحيوية، يخلق بيئة خصبة لصدام عسكرى مباشر
«وحشية المصالح» تسقط الشعارات الأيديولوجية والأخلاقية أمام صراع البقاء الاقتصادى

كتاب «د.عيد بن مسعود الجهنى» لا يقرأ تاريخ النفط فقط، بل يقرأ تاريخ العالم الحديث نفسه، بكل ما فيه من أطماع وأساطير وملاحم دامية خلال القرن الماضى والقرن الحالى، برزت أزمة الطاقة بقوة على حافة جميع النزاعات والصراعات والحروب الدولية فى عدة مناطق بالعالم خاصة فى منطقة الخليج العربى التى تسيطر على أكبر محيط نفطى مؤكد عالميًا. 

فكل ما يحدث حولنا فى العالم يثبت أن النفط هو السلعة الاستراتيجية السحرية هى أغلى وأهم سلعة فى التاريخ الإنساني، بل وأصبح النفط بلا منازع قوة السياسة والاقتصاد وكذلك مصدر قوة الدول والشعوب. من هنا تبرز أهمية هذا الكتاب الذى بين أيدينا أو الوثيقة إن شئت الدقة التى ترصد قصة النفط باعتباره الأسطورة والملحمة ووقود نيران الحرب الكونية الثالثة الذى تنبأ بها المؤلف منذ عام «2020» وها هى تحدث فى أيامنا هذه.

فرضية أساسية

ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن النفط ليس مجرد سلعة تجارية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل هو المحرك الخفى للتاريخ الحديث، وصانع الإمبراطوريات، والوقود المحتمل لأى مواجهة عسكرية عالمية. وفى القسم الأول من الكتاب ومن خلال عشرة فصول مكثفة، يصحبنا المؤلف فى رحلة جيوسياسية ترصد تحولات الطاقة عبر التاريخ وصولاً إلى واقعنا المعاصر فى عام 2026. ويتحدث بالتفصيل عن تاريخ الذهب الأسود، وقرن النفط. والذهب الأسود وقود نيران حرب كونية ثالثة، ويتساءل هل العالم على مشارف نفاد النفط و«أرامكو السعودية» باعتبارها الشركة الأهم على مستوى العالم و«نفط بحر قزوين» والزيت الصخرى باعتباره الفارس الجديد فى عالم البترول، والاستهلاك المسرف للنفط والغاز فارس الطاقة الجديد والفحم كسلاح للثورة الصناعية الأولى.

يبدأ المؤلف بتأصيل تاريخى لـ «الذهب الأسود»، مستعرضاً كيف انتقلت البشرية من الثورة الصناعية الأولى التى قامت على الفحم الحجري، إلى «قرن النفط» (القرن العشرين). حيث إن السيطرة على منابع النفط كانت العامل الحاسم فى الحربين العالميتين الأولى والثانية. فالجيوش المحمولة والآليات الثقيلة والطائرات لم تكن لتحقق انتصاراتها لولا تدفق النفط. ومن هنا، تحول النفط من مادة للإضاءة والتشحيم إلى مادة استراتيجية تحدد مصائر الدول، وأصبحت السيطرة على خطوط إمداده هى العقيدة الأساسية للقوى العظمى.

رؤيته استشرافية

وفى واحد من أخطر فصول الكتاب، يطرح «د.الجهنى» رؤيته الاستشرافية حول اندلاع حرب عالمية ثالثة يكون النفط، والغاز، وقودها ونيرانها. فالتكالب الدولى على مصادر الطاقة، ومحاولة القوى الغربية وحلفائها محاصرة القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا عبر التحكم فى ممرات الطاقة البحرية والمضايق الحيوية، يخلق بيئة خصبة لصدام عسكرى مباشر..

ويربط المؤلف هذا التوتر العسكرى بجدلية «نفاد النفط. ويناقش بعمق التساؤل المقلق هل العالم على مشارف نفاد هذه الثروة؟ ورغم تباين الآراء العلمية، يخلص إلى أن الأزمة الحقيقية ليست فى نفاد النفط ماديًا من باطن الأرض فى القريب العاجل، بل فى «أمن الطاقة» والقدرة على تأمين التدفقات بأسعار مستقرة فى ظل بيئة دولية مضطربة، وهو ما نعيش آثاره بدقة فى عامنا هذا.

ويفرد الكتاب مساحة بارزة لشركة «أرامكو السعودية»، باعتبارها الشركة الأهم والأقوى على مستوى العالم. ولا ينظر لها من زاوية أرباحها المليارية أو قدرتها الإنتاجية الضخمة فحسب، بل يحلل دورها كأداة استقرار «جيو-استراتيجي» للعالم أجمع. حيث أن امتلاك المملكة العربية السعودية لأكبر احتياطيات نفطية مؤكدة وقدرة إنتاجية مرنة يجعل من أرامكو «صمام أمان» الاقتصاد العالمي. ويوضح كيف تسهم الشركة فى ضبط إيقاع الأسواق الدولية ومنع الانهيارات الاقتصادية فى أوقات الأزمات السياسية، مما يمنح القرار السياسى السعودى ثقلاً ونفوذاً دولياً لا يمكن تجاوزه.

سوق الطاقة

ينتقل الكتاب لتحليل القوى الصاعدة والبديلة فى سوق الطاقة العالمية، ويركز على محورين: الأول هو الزيت الصخرى الأمريكى أو «الفارس الجديد» الذى قلب موازين القوى البترولية. وحول الولايات المتحدة من أكبر مستهلك ومستورد إلى مصدّر عالمى، مما أعاد تشكيل الخرائط السياسية وخفف نسبياً من ارتهان واشنطن التقليدى لنفط الشرق الأوسط، وخلق صراعاً صامتاً حول حصص الأسواق بين النفط التقليدى والنفط البديل.

بحر قزوين

يستعرض الكاتب الأهمية الجيوسياسية لنفط بحر قزوين، تلك المنطقة الاستراتيجية المحاصرة بين روسيا وإيران وآسيا الوسطى. ويبيّن كيف تحول بحر قزوين إلى ساحة صراع دولى شرس بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، حيث تسعى كل قوة لمد أنابيب النفط والغاز باتجاهها لتأمين مستقبله الاقتصادى وحرمان الخصوم من الهيمنة.

ويختتم القسم الأول بمعالجة أزمة السلوك البشرى تجاه الطاقة، حيث يسلط الضوء على «الاستهلاك المسرف للنفط» وتداعياته البيئية والاقتصادية الكارثية. وفى هذا السياق، يقدّم الكاتب الغاز الطبيعى باعتباره «فارس الطاقة الجديد»، نظراً لكونه طاقة أنظف وأقل تلويثاً للبيئة مقارنة بالنفط والفحم، ومكملاً أساسياً فى مرحلة التحول نحو الطاقة المتجددة. كما يعود الكاتب لتذكير القارئ بالفحم الحجرى، ليس كوقود ماضٍ، بل كسلاح تاريخى أطلق الثورة الصناعية الأولى، ولا يزال يشكل ورقة ضغط استراتيجية لبعض الدول الصناعية الكبرى مثل الصين والهند التى ترفض التخلى عنه بالكامل لحماية أمنها القومى والصناعى.

أيديولوجيا الطاقة

إن ما يميّز هذا القسم من كتاب «د. الجهني» هو قدرته العالية على ربط الجغرافيا بالتاريخ والاقتصاد بالسياسة العسكرية. فالقسم الأول يضع القارئ أمام حقيقة عارية: العالم محكوم بأيديولوجيا الطاقة، والنزاع حول من يملك المفاتيح ومن يسيطر على الأنابيب والمضايق هو المحرك الأساسى للأحداث الدولية الراهنة. لقد نجح المؤلف فى صياغة إطار نظرى وتاريخى متين يفسر لماذا يقف العالم اليوم على حافة النيران بسبب قطرات النفط ومكعبات الغاز.

جيوسياسية النفط

ويتناول المؤلف فى القسم الثانى من وثيقته الاستشرافية الصادرة عام 2020، البُعد الأكثر سخونة وحساسية فى معادلة الطاقة العالمية، وهو «جيوسياسية النفط وموازين القوى الدولية». إذا كان القسم الأول قد وضع الأساس التاريخى والتقنى لثروات الطاقة، فإن القسم الثانى يغوص عميقاً فى الصراعات الدبلوماسية، والتحالفات السرية والعلنية، وحروب الأسعار الاستراتيجية التى شكلت خريطة العالم وصولاً إلى واقعنا المعقد فى عام 2026

وينطلق فى هذا القسم من فرضية أن النفط ليس مجرد وقود للمحركات، بل هو «السلاح الجيوسياسى الأقوى» الذى صاغ العلاقات الدولية، وأسقط أنظمة، ورفع قوى أخرى إلى مصاف الهيمنة، محذراً من أن الصدام القادم بين القوى العظمى سيتخذ من خطوط الإمداد وممرات الطاقة ساحة رئيسية له.

يبدأ المؤلف هذا القسم بتحليل مفهوم «دبلوماسية النفط»، مستعرضاً كيف تحولت الطاقة من ميزة اقتصادية إلى أداة ضغط سياسى عابرة للقارات. يعود الكاتب إلى المحطات التاريخية الأبرز، مثل حظر النفط العربى عام 1973، ليثبت كيف يمكن لقطرات النفط أن تهز عروش القوى الغربية وتجبرها على إعادة النظر فى سياساتها الخارجية. وهو ما تحقق بعد نصر أكتوبر المجيد للقوات المصرية والعربية ضد المحتل الإسرائيلي. والذى وضع العالم الغربى فى مفترق الطرق وإجبرهم على إعادة حساباتهم.

الهيمنة البترولية

وفى المقابل، يتناول المؤلف كيف استخدمت القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تفوقها التكنولوجى والمالى لفرض «الهيمنة البترولية»، مستعينة بنظام «البترودولار» الذى ربط تجارة النفط العالمية بالعملة الأمريكية، مما منح واشنطن نفوذاً نقدياً وجيوسياسياً غير مسبوق فى التاريخ الحديث، وجعل من النفط سلاحاً ذو حدين، تستخدمه الدول المنتجة أحياناً للدفاع عن قضاياها، وتستخدمه الدول المستهلكة الكبرى لفرض العقوبات وحصار خصومها.

  ويفرد «د.الجهنى» فصولاً مطولة لتحليل مثلث الصراع الأخطر على رقعة الشطرنج العالمية الولايات المتحدة، وروسيا، والصين. المطامع والتحركات الأمريكية ويحلل الكتاب استراتيجية واشنطن الساعية للحفاظ على ريادتها العالمية من خلال تأمين تدفقات النفط من الشرق الأوسط، والسيطرة على المضايق البحرية الحيوية، بالتوازى مع استغلال طفرة نفطها الصخرى لتحقيق «الاستقلال الاقتصادي» وضغط الأسعار لمحاصرة خصومها.

ويفكك الكتاب العقلية الاستراتيجية لموسكو، التى تنظر إلى احتياطاتها الهائلة من النفط والغاز كأداة لإعادة إحياء مجدها السوفيتي. ويوضح كيف استخدمت روسيا أنابيب الطاقة المتجهة نحو أوروبا كأوراق ضغط سياسى، وهو التوقع الذى تجسد بدقة شديدة فى الصراعات الحالية التى نعيشها اليوم.

ويسلط كذلك الضوء على نقطة الضعف القاتلة فى الاقتصاد الصيني، وهى حاجته الهائلة والمستمرة لاستيراد الطاقة. وكيف تدفع هذه الحاجة بكين لبناء تحالفات وثيقة فى أفريقيا والشرق الأوسط، وإنشاء خطوط إمداد برية عبر آسيا الوسطى (ضمن مبادرة الحزام والطريق) لتفادى أى حصار بحرى أمريكى محتمل فى مضيق ملقا أو بحر الصين الجنوبي.

 تاريخ المنظمة

ينتقل المؤلف إلى تحليل دور المنظمات الدولية كلاعب رئيسى فى الجيوسياسية النفطية، ويركز بشكل خاص على منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). ويستعرض تاريخ المنظمة والمعارك الشرسة التى خاضتها للحفاظ على سيادة الدول النامية على مواردها الطبيعية فى مواجهة الاحتكارات الغربية.
وتنبأ المؤلف فى هذا القسم بالأهمية القصوى لتحالف «أوبك بلس» (الذى يضم أوبك بقيادة السعودية والمنتجين المستقلين بقيادة روسيا).

ويرى الجهنى أن هذا التحالف يمثل تحولاً جوهرياً فى ميزان القوى البترولي، حيث نجح فى سحب بساط التحكم فى الأسعار من يد واشنطن والمضاربين الغربيين. ويحلل كيف تحول هذا التحالف إلى «محور استراتيجي» قادر على إدارة الأزمات وحماية مصالح المنتجين، مما أثار حفيظة الدول المستهلكة الكبرى التى ترى فى هذا التكتل تهديداً لأمنها القومى.

عسكرة ممرات الطاقة 

من أبرز المحاور الاستشرافية فى هذا القسم هى دراسة «عسكرة جغرافيا النفط». ويوضح أن الصراع الدولى لا يدور فقط حول حقول الإنتاج، بل حول «نقاط الاختناق البحرية مثل: مضيق هرمز، مضيق باب المندب، وقناة السويس.

ويحذر المؤلف من أن هذه الممرات الضيقة هى الأعصاب الحساسة للاقتصاد العالمى، وأن أى توتر عسكرى أو عمليات تخريبية فيها كفيلة بإدخال العالم فى نفق مظلم من الكساد والتضخم.

ويشير إلى أن التواجد العسكرى المكثف للقوى الدولية (القواعد الأمريكية، الصينية، والفرنسية) فى مناطق مثل القرن الأفريقى والخليج العربى ليس إلا استعداداً لساعة الصفر التى قد تشهد محاولات لقطع هذه الشرايين لخنق اقتصادات الخصوم، وهو ما يفسر بدقة عسكرة هذه البحار والمضايق فى وقتنا الحالى. (كثير من هذه التوقعات نشهدها حاليًا منذ بداية المواجهات الامريكية الإيرانية فى أواخر فبراير الماضى وحتى الآن).

يختتم د. الجهنى القسم الثانى بخلاصة عميقة تحذر من «وحشية المصالح». فالنفط فى هذا الجزء من الكتاب يظهر كعامل تفجير دائم فى السياسة الدولية؛ حيث تسقط الشعارات الأيديولوجية والأخلاقية أمام صراع البقاء الاقتصادي. لقد نجح الكاتب فى تقديم خريطة حية تشرح للقارئ كيف تُصنع القرارات فى العواصم الكبرى، وتثبت أن من يسيطر على محابس النفط والغاز، يملك القدرة على صياغة النظام العالمى الجديد أو تفجيره.

فى القسم الثالث والأخير من هذه الوثيقة البالغة الأهمية، يتوجّه المؤلف نحو استشراف «مستقبل الطاقة البديلة ومعضلة التحول فى ظل الصراعات الجيوسياسية».

إذا كان القسمان الأول والثانى قد رسّخا لمفهوم سيادة النفط والغاز كأدوات للهيمنة والحروب، فإن القسم الثالث يفتح نافذة على الغد، ليناقش سيناريوهات «العالم ما بعد النفط»، والتحديات الهيكلية والمناخية والتقنية التى تواجه البشرية فى رحلتها للتحول نحو الطاقة المتجددة، وصولًا إلى الواقع المعقد الذى نعيشه اليوم فى عام 2026.

الطاقة النظيفة

وينطلق الكتاب فى هذا القسم من رؤية واقعية صارمة، التحول نحو الطاقة النظيفة ليس نزهة تكنولوجية، بل هو معركة اقتصادية وسياسية جديدة، ستخلق رابحين وخاسرين جددًا، وقد تزيد من حدة الصراعات الدولية بدلاً من إخمادها. فيبدأ بتحليل المحركات الأساسية التى تدفع العالم نحو «الطاقة البديلة».

ويرى أن هذه المحركات تنقسم إلى شقين: البيئى والمناخى المتمثل فى ظاهرة الاحتباس الحرارى والتغيرات المناخية الكارثية التى بدأت تضرب بقاعاً مختلفة من الأرض، مما فرض ضغوطاً شعبية وتشريعية هائلة على الحكومات لتقليل الانبعاثات الكربونية والالتزام باتفاقيات المناخ الدولية. والشق الاستراتيجى المتمثل فى رغبة الدول المستهلكة الكبرى فى التخلص من «الارتهان الجيوسياسي» للدول المنتجة للنفط، والبحث عن استقلال حقيقى للطاقة داخل حدودها.

ويستعرض هنا سلة الطاقة البديلة بمختلف مكوناتها مثل الطاقة الشمسية، طاقة الرياح، الكهرومائية، والنووية. ويناقش كيف تحولت من مجرد تجارب مختبرية أو حلول مكلفة إلى صناعات عملاقة تقود الاستثمارات العالمية، مستعرضاً قفزات التكنولوجيا فى خفض تكلفة إنتاج الكيلوواط من المصادر المتجددة.

أزمات الطاقة الانتقالية

فى تحليل استشرافى دقيق تحقق الكثير منه فى واقعنا الراهن، يحذر «د. الجهني» من اندفاع العالم غير المحسوب نحو «تصفير الكربون» وتجفيف الاستثمارات فى قطاع النفط والغاز التقليدى قبل نضوج البدائل. يصف المؤلف هذه المرحلة بالفجوة الانتقالية الخطيرة. حيث يوضح أن الطاقة المتجددة (مثل الشمس والرياح) لا تزال تواجه معضلة «الموثوقية والتقطع» (الانقطاع عند غياب الشمس أو السكون)، فضلاً عن عدم تطور تكنولوجيا بطاريات التخزين العملاقة بشكل كافٍ لتلبية احتياجات المدن والمصانع الضخمة. هذا التسرع فى التخلى عن الوقود الأحفورى يراه المؤلف سبباً رئيسياً فى حدوث قفزات جنونية فى أسعار الطاقة، وأزمات نقص حادة فى الإمدادات الكهربائية، مما يضطر دولاً كبرى (حتى تلك التى ترفع شعارات خضراء) للعودة مجدداً إلى استخدام الفحم الحجرى لحماية أمنها الصناعى من الانهيار.

صراع المعادن النادرة

من أعمق الأفكار التى يطرحها المؤلف فى هذا القسم هى أن «الطاقة البديلة لن تنهى الصراعات الدولية، بل ستغير جغرافيتها فقط». ويفكك الكاتب وهم أن الطاقة المتجددة ستجعل العالم أكثر سلاماً، موضحاً أن الانتقال إلى طاقة المستقبل يتطلب كميات هائلة من المعادن النادرة والأرضية (مثل الليثيوم، الكوبالت، النيكل، والنيوديميوم) وهى المكونات الأساسية لصناعة الألواح الشمسية، توربينات الرياح، وبطاريات السيارات الكهربائية.
الصين اللاعب المهيمن

وهنا، يرسم المؤلف خريطة صراع جديدة تكون فيها الصين هى اللاعب المهيمن، نظراً لسيطرتها على أكثر من 70% من سلاسل توريد وتكرير هذه المعادن الحيوية. ويحذر الكاتب من أن الغرب، فى محاولته للهروب من «التبعية لنفط الشرق الأوسط»، قد يجد نفسه واقعًا فى «تبعية مطلقة لمعادن وتكنولوجيا الصين»، وهو ما يفسر الحروب التجارية والتنافس الجيوسياسى الشرس المحموم الذى نشهده اليوم حول إفريقيا وأمريكا اللاتينية (حيث تتركز مناجم هذه الثروات الجديدة).

استراتيجيات مواجهة المستقبل 

لا يغفل المؤلف محاولة توقع مستقبل الدول المصدرة للنفط، وعلى رأسها دول الخليج والمملكة العربية السعودية، فى ظل هذا التحول. ويرفض الكاتب النظريات التشاؤمية التى تتوقع أفول نجم هذه الدول، بل يشيد بالرؤى الاستباقية التى تبنتها هذه الدول (وفى مقدمتها رؤية السعودية 2030). يوضح الدكتور الجهنى كيف تحولت المملكة من «دولة نفطية تقليدية» إلى «قوة عالمية لإنتاج كافة أشكال الطاقة».

ويستعرض الاستثمارات الضخمة فى قطاع الهيدروجين الأخضر والأزرق (مثل مشروع نيوم العملاق)، ومشاريع الطاقة الشمسية الكبرى، فضلاً عن تبنى مفهوم «الاقتصاد الدائرى للكربون». ويخلص المؤلف إلى أن الدول التى تمتلك فوائض مالية وخبرات لوجستية فى قطاع الطاقة ستكون هى الأقدر على قيادة قطاع الطاقة البديلة أيضاً، مما يضمن استمرار ثقلها السياسى والاقتصادى فى النظام الدولى القادم.

يختتم المؤلف وثيقته بخلاصة تركيبية تجمع خيوط الأقسام الثلاثة. فيؤكد أن النفط سيبقى «الملك» لعدة عقود قادمة كعنصر لا غنى عنه فى قطاعات النقل الثقيل والبتروكيماويات، لكن قطار الطاقة البديلة قد انطلق بالفعل ولا يمكن إيقافه. الرسالة الأخير للمؤلف هى تحذير شديد اللهجة، إذا لم ينجح العالم فى إدارة مرحلة التحول الطاقى بذكاء ودبلوماسية تعتمد على التشارك لا المغالبة، فإن الصراع على ما تبقى من النفط، بالتوازى مع الصراع على مصادر الطاقة الجديدة ومعادنها، سيكون بالفعل هو الفتيل الحقيقى الذى يشعل نيران حرب كونية مدمرة، وهو التحذير الذى نرى إرهاصاته اليوم بقوة، مما يجعل من هذا الكتاب مرجعًا لا غنى عنه لفهم شفرات السياسة الدولية.

مستقبل الطاقة البديلة

رغم تركيزه على النفط، لا يتجاهل» د.الجهني» التحول العالمى نحو الطاقة الخضراء، لكنه يطرح وجهة نظر واقعية النفط سيظل ملكاً: يرى الكاتب أن الاستغناء الكامل عن النفط فى المدى المنظور هو «وهم»، فالدراسات تشير إلى أن النفط سيظل المكون الأساسى فى مزيج الطاقة العالمى لعقود قادمة، خاصة فى الصناعات البتروكيماوية والنقل الثقيل الاستثمار فى التكنولوجيا: يدعو الكتاب الدول النفطية إلى قيادة التحول فى مجال الطاقة المتجددة بدلاً من أن تكون مجرد مستهلكة لها.

يختتم  الكتاب برسالة تحذيرية وتفاؤلية فى آن واحد. التحذير من أن الجشع الدولى والسباق نحو السيطرة على الموارد قد يؤدى بالفعل إلى دمار كونى إذا لم تُحكم العقلانية السياسية. التفاؤل: يكمن فى قدرة الدول المنتجة للنفط (وخاصة العربية) على استخدام هذه الثروة كأداة للسلام والتنمية وبناء تكتلات اقتصادية قوية تحمى مصالحها.

ملاحظات عامة:

يعد الكتاب واحداً من أهم الدراسات الجيوسياسية والاقتصادية التى تناولت «الذهب الأسود» ليس فقط كسلعة تجارية، بل كمحرك أساسى للتاريخ، وصانع للخرائط السياسية، وفتيل للصراعات العالمية الكبرى.

الكتاب يجمع بين اللغة الأدبية الجزلة (الملحمة والأسطورة) وبين التحليل الرقمى والإحصائى الدقيق، مما يجعله مرجعاً هاماً للباحثين فى شؤون الطاقة والسياسة الدولى.
 

الكاتب:

  د.عيد بن مسعود الجهنى 

رئيس مركز الخليج العربى لدراسات واستشارات الطاقة

محكم دولى وعضو مجالس تحكيم عربية ودولية

عضو جمعية الاقتصاد السعودى