البحث عن «هبوط آمن»| «طيارين الديلفري».. مهنة خطيرة بلا تأمين

السيارات والدراجات
السيارات والدراجات


فى ساعات النهار الحارقة أو خلال ليالٍ شتوية ممطرة، يشق محمد أحمد، عامل توصيل طلبات يبلغ من العمر ٥٨ عامًا، طريقه بين السيارات والدراجات وسط شوارع القاهرة المزدحمة يقود دراجته النارية لساعات طويلة بحثًا عن رزقه اليومي، محاولًا الوصول إلى العملاء فى الوقت المحدد.

وبينما ينتظر كثيرون وصول طلباتهم بضغطة زر، يخوض عم محمد وآلاف العاملين فى مهنة «الدليفري» رحلة يومية محفوفة بالمخاطر، مقابل دخل لا يضمن لهم حياة مستقرة أو مستقبلًا آمنًا.
 

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت خدمات التوصيل جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، إلا أن العاملين فى هذا القطاع مازالوا يواجهون تحديات كبيرة منها مخاطر الطريق، وغياب الحماية الاجتماعية، فضلا عن أسعار الخدمة الزهيدة فى ظل عدم وجود رواتب ثابتة.

يقول عم محمد: «كل يوم وأنا خارج للعمل لا أعرف إن كنت سأعود سالمًا أم لا، حادث بسيط قد يمنعنى من العمل لشهور، وفى هذه الحالة لن أجد مَن يعوضنى أو يساعد أسرتى».

وتُعد حوادث الطرق من أبرز المخاطر التى تهدد عمال الدليفري، خاصة مع ضغط الوقت وكثرة التنقل بين المناطق المختلفة، كما يتعرض بعضهم لحالات سرقة أو اعتداء أثناء العمل، فضلًا عن المشكلات الأمنية التى قد تواجههم فى أوقات متأخرة من الليل.

ولا تقتصر المعاناة على المخاطر الجسدية فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادى فكثير من العاملين يقضون أكثر من 10 ساعات يوميًا فى العمل، بينما تلتهم تكاليف الوقود وصيانة الدراجات النارية جزءًا كبيرًا من دخلهم ويؤكد محمد، أن أى عطل مفاجئ فى الدراجة قد يعنى خسارة أيام من العمل ومصدر الدخل الوحيد لأسرته.

ويضيف: «الموتوسيكل هو رأس مالى كله، إذا تعرض لحادث أو عطل كبير، أضطر للاستدانة حتى أعود للعمل».

وتختلف أوضاع العاملين من جهة إلى أخرى فبعض المطاعم والمتاجر تمنح العامل راتبًا شهريًا ثابتًا إلى جانب نسبة من رسوم التوصيل، بينما تعتمد جهات أخرى على نظام العمولة فقط، حيث يحصل العامل على رسوم التوصيل دون أى راتب أساسي، ما يجعل دخله غير مضمون ومتذبذبًا من شهر إلى آخر.

ورغم أهمية الدور الذى يقوم به هؤلاء العمال فى تسهيل حياة المواطنين وتلبية احتياجاتهم اليومية، فإن معظمهم يعملون دون أى مظلة قانونية واضحة، فلا تأمين صحى يغطى تكاليف العلاج عند الإصابة، ولا تأمين ضد الحوادث، ولا معاش يمكن الاعتماد عليه عند التقدم فى العمر أو فى حال التعرض لعجز دائم.

ويقول محمود، أب لطفلين ويعمل فى التوصيل منذ ست سنوات: «أكثر ما يخيفنى ليس الحادث نفسه، بل ما سيحدث لأسرتى بعدى إذا توقفت عن العمل فلن يكون هناك دخل، ولا معاش، ولا أى جهة تتحمل المسئولية». ويرى عاملون فى القطاع أن الوقت قد حان للاعتراف بمهنتهم ضمن المهن التى تستحق الحماية القانونية والاجتماعية، خاصة فى ظل التوسع الكبير الذى يشهده قطاع خدمات التوصيل فى مصر.

ويطالبون بتوفير تأمين صحى شامل وتأمين ضد إصابات العمل والحوادث، وإدراجهم ضمن منظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات، إلى جانب وضع حد أدنى عادل للدخل يضمن حياة كريمة لهم ولأسرهم، كما يدعون إلى سن تشريعات تنظم المهنة وتحدد حقوق وواجبات جميع الأطراف، بما يضمن بيئة عمل أكثر أمانًا واستقرارًا.

وبينما تستمر الدراجات النارية فى التنقل بين الشوارع لتوصيل الطلبات إلى ملايين المواطنين، يبقى السؤال مطروحًا: متى يحصل مَن يحملون احتياجات الناس يوميًا على حقهم فى الأمان والاستقرار؟ فخلف كل طلب يصل إلى بابه فى دقائق، قصة عامل يواجه الطريق وحده، بحثًا عن لقمة العيش ومستقبل أكثر أمانًا.