منذ آلاف السنين، ترك لنا أجدادنا المصريين بوصلة حضارية دقيقة تحدد قيم الخير والشر، ولم يكتفوا بتبنيها بل وثقوها بعناية على جدران المعابد لتظل مرشدًا هاديًا تسترشد به الأجيال المصرية المتعاقبة.. وانطلاقًا من هذه الرؤية الممتدة عبر التاريخ، حددت مصر مبكرًا محاور أمنها القومي واستقرت على تصنيف جبهات النماء والتهديد.
وارتباطًا بهذا التأصيل التاريخي، تكشف لنا جدران المعابد أن الحروب ومواجهات الغزاة كانت تأتي دومًا من جبهة الشمال. وفي مقابل هذا التهديد الشمالي، كان النماء والخير يتدفقان دائمًا من الجنوب، وبالتحديد من قارة إفريقيا؛ وهو ما تجسد في الرحلة التجارية والدبلوماسية الشهيرة إلى بلاد بونت (الصومال حاليًا).. ولم تكن هذه الرحلة مجرد نشاط تجاري عابر، بل مثلت أول بعثة فنية وعلمية لجمع النباتات في تاريخ الإنسانية، قادتها الأسرة الثامنة عشرة، ودُوّنت تفاصيلها الدقيقة على جدران معبد الدير البحري.
وفي المقابل، وعلى الرغم من تغير مسميات الأعداء ومطامعهم عبر العصور —بدءًا من الهكسوس وصولًا إلى الحيثيين، ومرورًا بالفرس، والفرنسيين، والإنجليز، وإسرائيل— فإن تلك التهديدات ظلت تأتي باتساق وثبات من جهة الشمال، وهي حقائق وحروب موثقة بالكامل في السجلات التاريخية.
ويأتي هذا السرد التاريخي في توقيت دقيق يمر به عالمنا المعاصر بموجة عاتية من الاضطرابات، لا سيما في منطقتنا الإقليمية.. وبدلاً من أن نرتد إلى بوصلة القدماء لقراءة المشهد، نجد أنفسنا نعيش حالة من التوتر والقلق بصورة غريبة، على الرغم من الوضوح التام للرؤية الاستراتيجية.
وتأسيسًا على ذلك، فإن الطرح هنا لا يدعو أبداً إلى انسلاخ مصر من علاقاتها ومصالحها الحيوية مع الدوائر الإقليمية المختلفة، سواء كانت العربية، أو المتوسطية، أو بقية دول العالم؛ بل يهدف بالأساس إلى توطيد العلاقات بشكل فعال وجذري مع دول القارة السمراء.. فهذه الشعوب لا تزال تنظر إلى مصر باعتبارها الشقيق الأكبر الذي ساندها في حركات التحرر من الاستعمار الأجنبي منذ خمسينيات القرن الماضي، فضلًا عن كون العديد من دول القارة يفضلون مصر حتى اليوم بفضل قوتها الناعمة المؤثرة والمتمثلة في الأزهر والكنيسة.
وقد تضاعفت هذه الرغبة الإفريقية في التقارب مع التوجه الصادق لمصر والرئيس عبد الفتاح السيسي منذ عام 2015 نحو القارة عقب سنوات من الابتعاد؛ وهو الغياب الذي استغلته دول عديدة للدخول والاستثمار، وتوظيف ذلك في تحركات تعمل ضد المصالح المصرية.
وعلى الرغم من وجود تحركات دبلوماسية واقتصادية ملموسة، بل وتقديم مصر ليد العون والدعم والتنمية لعدد من دول القارة، إلا أن الأداء التنفيذي للحكومة المصرية —باستثناء وزارة النقل— لا يزال يتسم بالبطء مقارنة بالتوجيهات السياسية العليا للدولة، ويحدث هذا التباطؤ على الرغم من وجود اتفاقيات وقوانين تمنح المنتجات المصرية إعفاءات جمركية وضريبية تفضيلية لا تحصل عليها دول أخرى.
إن قارة إفريقيا، التي تمتلك ثاني أكبر كتلة سكانية بعد آسيا بنحو 1.6 مليار نسمة، تعد أكبر سوق مستهلك في العالم. ومع ذلك، فقد تُركت هذه الأسواق الواعدة لقوى أوروبية وآسيوية، رغماً عن أنها تمثل عمقاً استراتيجياً وأمناً قومياً مباشراً لمصر، مما يجعل تواجدنا هناك فرض عين لحماية مصالحنا الاقتصادية الحيوية.
تظل مصر بموجب الجغرافيا السياسية معبراً رئيسياً ومركزاً لوجستياً فريداً للعالم. وقد كشفت الحرب الإيرانية الأخيرة أن المجتمع الدولي يبحث بجدية عن حلول ومسارات بديلة بعيداً عن حرب المضايق البحرية التي خنقت الاقتصاد العالمي، وحيث إن موقع مصر التجاري كان هو الحل منذ القدم، فإن الحكومة برئاسة الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء، مطالبة اليوم بالنظر بتمعن إلى التجربة الجارة؛ إذ تحركت المملكة العربية السعودية بقوة حتى أطلقت المعابر اللوجستية من الشرق إلى العرب على البحر الأحمر بهدف تبادل الصادرات والواردات بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. هذا المشروع السعودي العملاق، الذي انطلق منذ 70 يوماً، يستهدف تحويل المملكة إلى مركز لوجستي متنوع وعالمي، في حين أن مصر —التي تمتلك موقعاً لوجستياً بطبيعتها— لا تزال تتحرك ببطء.
بناءً على هذا المشهد، نوجه النداء للحكومة: انظروا إلى بوصلتنا التاريخية، واستعينوا بالخبرات المتراكمة والتاريخ، وتحركوا فوراً.. فإنها فرصة تاريخية لا تحتمل التأجيل.
* مدير تحرير بالمصري اليوم

دينا الصاوي تكتب: "ورد على فل وياسمين".. حين تنتصر البساطة على الضجيج
المنتخب والمواجهة البلجيكية
«برشامة» وحراس الفضيلة!








