عصر المعرفة

حتمية التحول إلى الصرامة العلمية

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


د.محمد سليم شوشة

الفلاسفة كانت لهم إسهامات حول اللغة وفلسفتها وعلومها بداية من أرسطو وصولا لفتجنشتين وتشومسكى ووصولا أخيرا إلى محطة الذكاء الاصطناعى

فى مقالنا السابق تحدثنا عن نمطين للتفكير يقسمان الثقافة العربية، أحدهما له طابع العلمية والمنهج ويعتمد على التراكم المعرفى ويصنع تطورا، وهذا هو القريب مما يسود فى الثقافة العالمية منذ عصر النهضة ويدين له العالم بالفضل فى الوصول إلى ما نحن عليه الآن من إنجازات علمية وحضارية غير مسبوقة، ولا يختلف على هذا النمط شرق أو غرب، فهو متسيد فى العالم عند غالبية الأمم. بخلاف ثقافتنا التى يتقاسمها مع هذا المنهج منهج آخر يجعل من المعرفة أمرا شبه إلهى أو سماوى وقريب من النبوة، ويتعامل مع المعرفة على أنها نتاج حال من الحدس والموهبة والإلهام الفوقى أى الذى يتنزل من أعلى. 
وأشرنا كذلك إلى أن هذا النمط الثانى من التفكير يوجد فى الأكاديميات ويوجد فى مجالات معرفية كثيرة ربما نتصور بصورة منطقية أنها أبعد ما تكون عن هذا النمط، مثل الطب الذى هو بالأساس علمى إمبريقى/تجريبى يقوم على الفحص المادى وعلى الاكتشافات المعملية فى البيولوجيا والكيمياء. فمن الطريف أن توجد هذه النزعة من العلم السماوى والفوقى أو علوم الإلهام فى مجال مثل الطب وبخاصة فى هذا الزمن الذى تمكن الإنسان فيه من اكتشاف أدق التفاصيل حول الجسد مستعينا بتكنولوجيا النانو والطفرة الحاصلة فى مجال التصوير والتشريح فائق الدقة الذى يصل إلى أصغر جسيمات الجسد وأغرب أسراره، أى أن الصندوق الغامض الملىء بالأسرار لم يعد كذلك الآن فى ظل هذه الاكتشافات، بما فيها طرائق عمل الدماغ البشرى وتقسيماته ووظائفه وكيفيات معالجته للرموز وكيفية تشغيل الدماغ لبقية الوظائف الحيوية. 
السؤال الذى يجب أن نكون أكثر صراحة فى طرحه ومواجهة أنفسنا به، هو: ما النسبة التى مازالت تهيمن علينا بها ثقافة العصور الوسطى؟ فالسؤال المنطقى ليس هو هل لدينا بقايا من ثقافة العصور الوسطى، ولكن كم هى نسبة حضور وهمينة ثقافة العصور الوسطى على ثقافتنا الراهنة؟ الحقيقة أن هذه النسبة فى تقديرنا مع الأسف الشديد تتخطى 60% بل قد تصل إلى 70% وهذا نتاج تفكير طويل وفحص وتدقيق شامل وإعادة نظر فى شرائح المجتمع وفى أشكال الخطاب السائد لدينا وأنماطه ويمكن الحديث مطولا عن هذه النسبة وكيفيات قياسها، وقد طرحت فى مقالات سابقة فى مساحتنا هذه فى «الأخبار» وسائل قياس مساحة العقلانية والطابع العلمى فى المجتمع. 
قد تكون هذه النسبة صادمة، نعم ما يقترب من 70% من ثقافتنا تهيمن عليها ثقافة العصور الوسطى والأدلة على ذلك كثيرة، ويمكن القول بأن هذا هو التشخيص الحقيقى الذى يرجع إليه هذا الوضع الحضارى المتخلف لدول المنطقة وثقافتها. لقد كانت النزعة العلمية والطابع العقلى سمات للنخبة، الغريب والطريف أن النخبة تزحف عليها الرجعية منذ عقود، ولنا مقالات كذلك عن تشريح حال النخبة يمكن الرجوع لها.
ولكن يجب علينا فى هذا السياق أن نتأكد من دقة هذا التشخيص ودقة هذه النسبة من التلوث الفكرى والثقافى بثقافة العصور الوسطى وانحسار الثقافة العلمية والطابع العقلانى والمنهجى فى التفكير وتراجعه إلى هذه المستويات الضعيفة، والشىء الذى قد يكون مفاجأة هو أن السبب فى هذا لا يرجع لمشاكل تخص التعليم كما قد يتصور البعض ويرددون كثيرا. فالواقع الفكرى والثقافى أكثر تعقيدا من هذا، والسبب الأكبر يخص الثقافة والأكاديميا والإعلام، بل قد ينحصر الأمر فى الثقافة والجامعات، وسأكون أكثر تحديدا وأقول بنوع من الثقة أن السبب الأساسى يعود لتراجع علوم اللغة والفلسفة والمنطق وهيمنة تيارات رجعية كثيرة على هذه التخصصات، وقد يندهش كثيرون إذا علموا بحجم الاختراق الإخوانى لهذه العلوم وهيمنتهم عليها فى جامعات المنطقة كلها وليس فى جامعات مصر، بل إن البداية كانت فى دول الخليج ومنها امتدت إلى مصر، وحال الفلسفة التى هى أم العلوم ومسئولة عن إقرار المنهج وتحديد كيفيات النظر والبحث فى العلم يستدعى منا كل تدقيق ومراجعة وفحص، وتراجع المنهج العلمى والتفكير العلمى يقوم بالأساس على هذا الانهيار فى هذين الفرعين تحديدا، وهما فرعان لا يمكن فصلهما عن بعضهما، الفلسفة والدراسات اللغوية، فهما توأم ملتصق وروح واحدة فى جسدين، بل ربما هما أقرب إلى أن يكونا تجليين لروح واحدة فى جسد واحد، ولهذا لم يكن غريبا أن كل الفلاسفة كانت لهم إسهامات حول اللغة وفلسفتها وعلومها بداية من أرسطو وصولا لفتجنشتين وتشومسكى ووصولا أخيرا إلى محطة الذكاء الاصطناعى التى صارت فيها الآلة تفكر وتعالج رموز اللغة.