د. محمد محمد زيادة
تقف مصر اليوم أمام معادلة دقيقة تستوجب من المشرّع وصنّاع القرار شجاعةً في المراجعة وحكمةً في الموازنة؛ فمن جهة، تواجه البلاد أزمة مياه حقيقية تجعل من كل قطرة ثروةً قومية، ومن جهة أخرى، تزداد الحاجة إلى البروتين الحيواني الميسور التكلفة مع تجاوزنا حاجز المئة وعشرة ملايين نسمة. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز نهر النيل بوصفه موردًا قادرًا -إذا أُحسن استثماره - على أن يكون داعمًا مزدوجًا للأمن الغذائي والمائي.
إن الموقف التشريعي المصري الراهن تجاه الاستزراع السمكي يَنطوي على مفارقة مزدوجة، فهو من جهة يُغلق باب الأقفاص العائمة داخل مجرى النيل، ومن جهة أخرى يُلزم المزارع الأرضية باستخدام مياه الصرف الزراعي بدلًا من مياه النهر العذبة. فقد تكرّس الموقف الأول بقرارات إزالة الأقفاص السمكية في ٢٠١٥ ثم بالمادة ٥٥ من القانون رقم ١٤٦ لسنة ٢٠٢١ التي قصَرت إجازة الترخيص بالأقفاص السمكية على المياه البحرية وحدها، دون أن تفتح بابًا قانونيًّا لتنظيمها في المياه الداخلية التي عرّفتها المادة الأولى من القانون ذاته بوصفها مجرى نهر النيل والترع والمراوي والمصارف. أما الموقف الثاني فيَستند إلى سياسة حكومية راسخة منذ نهايات القرن الماضي تَحظر استخدام مياه النيل العذبة في الاستزراع وتُلزم باستخدام مياه الصرف الزراعي.
وكلاهما يَنطلق من نيّة حسنة في حماية النهر، غير أنهما يَلتقيان في إنتاج نتيجة عكسية، فمن ناحية، يَدفع إلزام المزارع الأرضية باستخدام مياه الصرف الزراعي إلى تَلوّث الأسماك بالمعادن الثقيلة والهيدروكربونات، فيَفقد المستهلك المصري ثقته في غذائه. ومن ناحية أخرى، يَنشأ في ظلّ غياب إطار تشريعي شامل واقعٌ مُوازٍ تَعمل فيه نحو ١٥٠ ألف فدان من المزارع خارج المظلة القانونية، فيُحرم الاقتصاد الوطني من ضرائبها، ويَفلت نشاطها من الرقابة البيئية والصحية.
الحقيقة العلمية التي يجب الاعتراف بها هي أن الاستزراع السمكي داخل مياه النيل ليس بالضرورة عدوًّا للنهر؛ فالتجارب الدولية في العديد من الدول تؤكّد أن الأقفاص السمكية الحديثة، حين تُغمر داخل المجاري النهرية وتُدار بضوابط بيئية صارمة، يمكن أن تتعايش مع البيئة المائية المضيفة، كما تسهم في تحسين جودتها عبر منظومات التغذية الانتقائية والرقابة البيولوجية. فالمشكلة في تجربتنا المصرية تكمن في غياب التنظيم وضعف الرقابة وتدنّي المعايير الفنية.
من هذا المنطلق، لابد أن نتبنى رؤية تشريعية متوازنة تَقوم على استراتيجية "استزراع دون استنزاف" تَعمل على ثلاثةمحاور متكاملة.
فعلى محور الاستزراع داخل مجرى النيل، يَتطلّب الأمر تعديل المادة ٥٥ من قانون ١٤٦ لسنة ٢٠٢١ لتشمل تنظيمَ - لا حظرَ - الاستزراع بالأقفاص في فروع النيل وروافده وفق خرائط هيدرولوجية تعدّها لجان فنية مشتركة تضم ممثلين من وزارة الموارد المائية والري، وجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، وجهاز شؤون البيئة، تحدّد مناطق "خضراء" مسموحًا فيها بالأقفاص العائمة، ومناطق "صفراء" مشروطة، ومناطق "حمراء" محظورة قطعيًّا كتلك التي تقع قرب مآخذ مياه الشرب والمحميات الطبيعية.
أما على محور المزارع الأرضية القائمة، فيَنبغي توسيع نطاق الاستزراع التكاملي المنصوص عليه في المادة ٥٣ من القانون ذاته، الذي يجمع بين تربية الأسماك وزراعة المحاصيل في منظومة واحدة، وهو ما يرفع كفاءة استخدام المياه إلى ما يقترب من ١٠٠٪ بحسب دراسات علمية محكَّمة وتجارب دولية تراكمت منذ التسعينيات في عدد من الدول الرائدة، كما يمكنأن يَزيد إنتاج القمح القومي بنحو ١.٥ مليون طن سنويًّا، أي ما يعادل ١٨٪ من الإنتاج الوطني الحالي.
د. محمد محمد زيادة يكتب: الهجرة المستحبة
وعلى محور التحديث التقني للأحواض، يَنبغي اعتماد التكنولوجيات الحديثةكالنظم المغلقة لإعادة تدوير المياه(RAS)التي تستهلك بين ١٪ و١٠٪ فقط من المياه التي تَستهلكها الأحواض التقليدية وفق أحدث الدراسات العالمية الموثوقة، باعتبارها بديلًا مستقبليًّا يَعمل على اليابسة ويُقلّل الضغط على المسطحات المائية الطبيعية.
ويَستلزم نجاح هذه الرؤية حزمةً من الضمانات القانونية والفنية الصارمة، تَتدرّج من العام إلى الخاص. فثمة قواعد لا غنى عن إعمالها على كل أنماط الاستزراع السمكي دون استثناء، وفي مقدّمتها اعتماد "معايير الهاسبالدولية" لسلامة المنتج النهائي في مرحلتَي الإنتاج والتداول، وفرض نظام الحصص المائية المعيارية الذي يحدّد لكل مزرعة كميةً قصوى من المياه بحسب طاقتها الإنتاجية، فضلًا عن إنشاء سجل وطني إلكتروني موحَّد للمزارع يَخضع لإشراف جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، ويُتيح للجهات الرقابية تَتبُّع كل وحدة إنتاجية من المفرَخ حتى منفذ البيع، مع إلزام جميع المرخَّص لهم بتقديم تقارير بيطرية دورية ترصد معدلات النفوق ونوعية الأعلاف ومضادات الأمراض المستخدمة.
اقرأ أيضا.. د . محمد محمد زيادة يكتب: من أجل صناعة مستدامة
ويَزداد هذا الإطار الرقابي صرامةً حين يَتعلق الأمر بالاستزراع داخل مجرى النيل وفروعه، حيث ينبغي اشتراط تقديم تقييم أثر بيئي مسبق وشامل لكل ترخيص قبل إصداره، تُحدَّد على ضوئه الطاقة الاستيعابية الحقيقية للمسطح المائي المضيف، وعدد الأقفاص المسموح بها لكل كيلومتر من المجرى، والمسافات الفاصلة بينها بما يَكفل تَجدّد المياه طبيعيًّا.
أما على صعيد المزارع الأرضية القائمة على ضفاف البحيرات وفي مناطق الدلتا، التي تَعتمد في معظمها على مياه المصارف الزراعية، فإن المسؤولية التشريعية تَقتضي وضع معايير دنيا مُلزِمة لجودة المياه الداخلة إلى الأحواض، بحيث لا يُسمح باستخدام مياه الصرف الزراعي إلا بعد إخضاعها لمعالجة أوّلية تَزيل ما عَلق بها من ملوّثات، مع إلزام أصحاب المزارع بمعدلات تَجديد دورية للمياه تَحول دون تَراكم العناصر الثقيلة في القاع؛لضمان إنتاجية أعلى كفاءةً وأقل ضغطًا على الموارد المائية.
د. محمد محمد زيادة يكتب: كلية التربية والاستثمار
ويَتَوَّج هذا البناء كلَّه ضمانٌ تشريعي عام عابر للمستويات الثلاثة، يَتمثّل في تحديث منظومة الجزاءات القانونية المعمول بها، إذ لا تزال غراماتها- التي وُضعت بعضها وفق معايير اقتصادية تَعود إلى ثمانينيات القرن الماضي - قاصرةً عن مواكبة جسامة الأضرار البيئية المعاصرة وعن أداء وظيفتها الردعية في ظل الواقع الاقتصادي الراهن، بما يَكفل ردعَ المخالفين الذين تَطال أنشطتهم النهرَ ومجاريه، ويَحمي النيل بوصفه المرفق العام الأهملمستقبل الأمن المائي والغذائي المصري. ومن البديهي أن نجاح هذه الرؤية كلها يَستدعي استثمارًا حقيقيًّا في البنية الرقمية والكوادر الفنية المتخصصة، ودعمًا حكوميًّا مُوجَّهًا لصغار المزارعين، ضمانًا لعدم تَهميشهم وإجبارهم على البقاء خارج المظلة القانونية.
د. محمد محمد زيادة يكتب: أكذوبة التنمية المستدامة
إن السماح المنظّم بالاستزراع السمكي في مياه النيل هو في حقيقته استثمار ذكي فيه؛ فالمزرعة المرخّصة تخضع للرقابة، وتسهم في ضرائب الدولة، وتلتزم بمعايير الجودة، وتوفّر فرص عمل، وتنتج غذاءً آمنًا. أما المزرعة غير القانونية، فهي عبء بيئي صامت، وثقب أسود يَستنزف الموارد دون مردود، وخطر صحي متراكم يَنعكس في تلوث الأسماك، فيكلّف الدولة فاتورة علاجية باهظة على المدى البعيد؛ لذا فالاختيار بين الواقعَين هو في جوهره اختيار بين تشريع يَعترف بالواقع ويُهذّبه، وتشريع يَتجاهله فيُغرقه في الفوضى، فقد آن الأوان أن نَتجاوز ثنائية "الحظر المطلق أو الإباحة الفوضوية".
د. محمد محمد زيادة - استشارى إدارة الأعمال

متعة شارع الفن
نبيل فهمي.. المهمة الأصعب
«السبوبة»








