عندما يُذكر اسم الدكتور مصطفى محمود، تتبادر إلى الأذهان صورته بوصفه طبيبًا ومفكرًا وفيلسوفًا وصاحب مشروع فكرى ترك أثرًا واسعًا فى الثقافة العربية، لكن خلف هذه الصورة المعروفة جوانب أخرى أقل حضورًا لدى القراء، تكشف عن صحفى موهوب، وناقد فنى لافت، وقاص يمتلك حسًا إنسانيًا وقدرة خاصة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية. فى كتاب «مصطفى محمود.. التراث المنسي»، الصادر ضمن سلسلة «الكتاب الذهبي» بمؤسسة روز اليوسف، وبرئاسة تحرير الكاتب الصحفى أيمن عبد المجيد، تُفتح نافذة واسعة على هذه الجوانب المجهولة من مسيرة صاحب «العلم والإيمان»، فالكتاب لا يكتفى بإعادة نشر نصوص نادرة للدكتور مصطفى محمود، بل يعيد تقديم مرحلة مهمة من رحلته الإبداعية والفكرية.
يكشف الكتاب كيف ترك مصطفى محمود عالم الطب ليتجه إلى الصحافة التى أحبها، حيث بدأ مشواره فى مؤسسة «روز اليوسف» وسط نخبة من كبار الكتّاب والمبدعين. وهناك مارس العمل الصحفى محررًا شابًا يكتب عن السينما والمسرح والغناء، ويتناول أعمال كبار الفنانين مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، كما قدّم العديد من المقالات والكتابات الصحفية فى مجلتى «روز اليوسف» و«صباح الخير»، إلى جانب نصوص فى أدب الرحلات وقصص قصيرة عكست انشغالاته الفكرية والإنسانية فى مرحلة مبكرة من حياته.
ولا يتوقف الكتاب عند الجانب المهني، بل يقترب من الإنسان مصطفى محمود من خلال شهادة ابنته أمل مصطفى محمود، التى ترسم صورة للأب بعيدًا عن الأضواء، وتكشف عن شخصيته المحبة للحياة والمرح، وإيمانه بأن السعادة الحقيقية لا ترتبط بالمال، بل تنبع من صفاء النفس وعلاقة الإنسان بربه، وتقول: «ما زلت أسمع صوته وهو يقول إن السعادة مصدرها القلب وليس الجيب، السعادة تنبع من الضمير ومن علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بالله».
ويضم الكتاب سبعة فصول تستعرض محطات متعددة من حياة مصطفى محمود وإبداعه، يبدأ بفصل يحمل عنوان «مصطفى محمود يفتح خزائن أسراره»، ويستعيد حوارًا صحفيًا نادرًا أجرته معه الصحفية سهام ذهنى ونُشر فى مجلة «صباح الخير» عام 2007، متناولًا عددًا من القضايا الفكرية والصحية التى شغلته. كما يتوقف الكتاب عند بداياته الصحفية والفنية، ويعرض نماذج من مقالاته عن الفن والمجتمع، إلى جانب كتاباته المبكرة حول القيم الأخلاقية والاجتماعية، ثم ينتقل إلى مناقشاته الفكرية والدينية مع القراء، قبل أن يخصص فصلًا لقصصه القصيرة التى تعد من أبرز مفاجآت الكتاب.
وتصف الناقدة الدكتورة عزة بدر هذه القصص بقولها: «فى قصصه تسمع أصوات الحياة وصخبها، وترى الشخصيات وهى تتألم وتفرح وتبحث عن حريتها وإنسانيتها»، مؤكدة أن هذه النصوص تكشف جانبًا أدبيًا جديرًا بإعادة القراءة.
كما يتناول الكتاب آراء مصطفى محمود فى عدد من القضايا الفكرية والسياسية، ويختتم بمجموعة من الصور النادرة التى توثق مراحل مختلفة من حياته ومسيرته الفكرية.
يمثل «مصطفى محمود.. التراث المنسي» محاولة جادة لإعادة اكتشاف أحد أبرز رموز الفكر العربى من زاوية مختلفة، وإحياء جانب مهم من تراثه الصحفى والأدبى الذى ظل بعيدًا عن اهتمام كثير من القراء، فالكتاب لا يستعيد سيرة مفكر كبير فحسب، بل يعيد تقديم مبدع متعدد الوجوه ترك أثرًا تجاوز حدود زمنه وما زال حاضرًا فى الذاكرة الثقافية العربية.
«سفن دوجز» فى الصدارة و«أسد» يتراجع
أحمد داود:«إذما» فيلم فلسفى يتماشى مع وعى الجمهور
بين الصورة النمطية وتحوّلات الواقع







