سميحة أيوب .. إبداع صنع سيدة المسرح العربى

سميحة أيوب
سميحة أيوب


ريهان‭ ‬الشاذلى

في ذكرى رحيل الفنانة سميحة أيوب، يستعيد الوسط الفني المصري والعربي مسيرة واحدة من أبرز رموز المسرح العربي، التي ارتبط اسمها بمرحلة التأسيس الحقيقي للمسرح الحديث في مصر، وقدمت خلال أكثر من سبعة عقود نموذجًا لفنانة جمعت بين الموهبة والالتزام والدور الثقافي المؤثر.

تنتمي سميحة أيوب إلى الجيل الذي شارك في بناء هوية المسرح المصري في منتصف القرن العشرين، حيث لم يكن الفن مجرد ممارسة إبداعية، بل مشروعًا ثقافيًا يرتبط بتكوين الوعي العام. ومن خلال هذا السياق، جاءت تجربتها لتضعها في مكانة خاصة، حتى ارتبط اسمها بلقب «سيدة المسرح العربي».

وُلدت في مارس عام 1932 بحي شبرا. والتحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1949، حيث تلقت تعليمها على يد زكي طليمات، أحد أبرز مؤسسي المسرح المصري الحديث، والذي ساهم في صياغة رؤيتها المبكرة تجاه الفن باعتباره رسالة ومسؤولية.

ومنذ بداياتها، اتجهت سميحة أيوب إلى المسرح، وكان المجال الأساسي لتجربتها الفنية، وقدمت خلال سنوات طويلة أكثر من 170 عملًا مسرحيًا، تنوعت بين النصوص الكلاسيكية والاجتماعية والتاريخية.

كما تولت خلال مسيرتها عددًا من المناصب الإدارية المهمة، أبرزها إدارة المسرح الحديث ثم المسرح القومي، وهو ما منحها دورًا إضافيًا في دعم البنية المسرحية في مصر، سواء من خلال تطوير العروض أو إتاحة الفرص لأجيال جديدة من الفنانين.

ورغم أن المسرح ظل محور تجربتها الأساسية، فإنها حققت حضورًا واضحًا في السينما والتلفزيون، إذ شاركت في أعمال متعددة عكست تنوعها الفني وقدرتها على الانتقال بين الوسائط المختلفة دون فقدان هويتها المسرحية.

ومن أهم أعمالها في المسرح: «رابعة العدوية»، و«سكة السلامة»، و«السلطان الحائر»، و«الوزير العاشق»، و«الندم»، و«دماء على أستار الكعبة»، و«فيدرا»، و«السبنسة»، و«مصرع كليوباترا»، و«العباسية»، و«بير السلم».

بينما بدأت سميحة أيوب مشوارها السينمائي في وقت مبكر، وشاركت في أعمال تنوعت بين الرومانسي والاجتماعي والتاريخي، من أبرزها: «المتشردة»، و«شاطئ الغرام»، و«فجر الإسلام»، و«ورد الغرام»، و«بين الأطلال»، و«أرض النفاق»، و«لا تطفئ الشمس»، و«تيتا رهيبة».

وقد عكست هذه الأعمال قدرتها على تقديم أدوار مختلفة، مع الحفاظ على أسلوب أداء هادئ يعتمد على العمق لا المبالغة.

أما في الدراما التلفزيونية، فشاركت سميحة أيوب في عدد من الأعمال البارزة، من بينها: «الضوء الشارد»، و«أوان الورد»، و«أميرة في عابدين»، و«المصراوية»، و«السيرة الهلالية»، و«جحا المصري»، و«الطاووس»، و«نقل عام»، و«انحراف».

كانت سميحة أيوب ترى أن المسرح يمثل الركيزة الأساسية لتكوين الفنان، وأن دوره لا يقتصر على الترفيه، بل يمتد إلى بناء الوعي الثقافي والاجتماعي. لذلك ارتبط اسمها بالدفاع عن قيمة المسرح وضرورة الحفاظ على مكانته في المشهد الفني.

كما اعتبرت أن الفنان لا يمكن فصله عن الثقافة والمعرفة، وأن الاستمرار في المجال الفني يتطلب وعيًا متجددًا وقدرة على التطوير، وهو ما انعكس على مسيرتها الطويلة التي امتدت لعقود دون انقطاع.

وعلى مدار تجربتها، ساهمت في دعم أجيال جديدة من الفنانين، سواء من خلال عملها الإداري أو من خلال حضورها كمرجعية فنية، الأمر الذي جعل تأثيرها يتجاوز حدود الأدوار التي قدمتها على المسرح أو الشاشة.

وحرصت سميحة على الفصل بين حياتها الفنية والخاصة. تزوجت أكثر من مرة، من بينهم الفنان محسن سرحان، ثم الفنان محمود مرسي، قبل أن ترتبط بالكاتب والمفكر سعد الدين وهبة، الذي جمعها به توافق فكري وفني استمر لسنوات طويلة، كما تزوجت لاحقًا من المخرج أحمد النحاس.

ورغم هذه المحطات، ظلت سميحة أيوب محافظة على خصوصيتها، ولم تسمح بتصدر حياتها الشخصية للمشهد الإعلامي، مؤكدة أن الفن كان دائمًا هو محور حياتها الأساسي ومساحتها الأكثر استمرارية.

وامتدت مسيرة سميحة أيوب عبر عصور سياسية وثقافية متعددة، حيث عاصرت تحولات كبرى في الدولة المصرية منذ ما قبل ثورة يوليو 1952، مرورًا بعهد الرئيس جمال عبد الناصر، ثم أنور السادات، وصولًا إلى المراحل اللاحقة، وهو ما جعل تجربتها شاهدة على تطور المشهد الثقافي في مصر عبر عقود طويلة.

وقد حظيت خلال مسيرتها بتقدير رسمي متكرر من الدولة المصرية، حيث تم تكريمها في أكثر من مناسبة من رؤساء مصر، تقديرًا لدورها في دعم المسرح المصري والحركة الفنية بشكل عام. وكان حصولها على وسام الجمهورية من الرئيس جمال عبد الناصر من أبرز محطات هذا التقدير في بدايات مسيرتها. كما جرى تكريمها من الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية عيد الشرطة الـ72 في يناير 2024، حيث صعد الرئيس إلى المسرح لتحيتها وقبّل رأسها، ملبّيًا بذلك أمنيتها في لقائه ومصافحته.

كما نالت تكريمات خارج مصر بعد نجاح عدد من أعمالها المسرحية على مسارح دولية، من بينها تكريم فرنسي رفيع عقب عرض مسرحية «فيدرا» في باريس، ما عكس امتداد تأثيرها الفني خارج الحدود العربية أيضًا، ورسخ مكانتها كواحدة من أبرز نجمات المسرح في العالم العربي.

اقرأ  أيضا: فيديو | سيدة المسرح العربي سميحة أيوب.. مسيرة من الإبداع والعطاء

;