الأبواب مغلقة .. لماذا تراجعت فرص العمل أمام صناع الأغانى؟

صورة موضوعية
صورة موضوعية


محمد‭ ‬إسماعيل

في السنوات الأخيرة، ارتفعت أصوات عدد كبير من الشعراء والملحنين الشباب تشكو من صعوبة الوصول إلى المطربين، ومن ثم طرح أعمالهم الفنية في السوق الغنائي، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية للأزمة التي تواجه صناع الأغاني حاليًا. فبينما يرى البعض أن العلاقات الشخصية والمجاملات أصبحت تلعب دورًا مؤثرًا في اختيار فريق العمل الذي يتعاون مع المطربين، يؤكد آخرون أن الأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بتغيرات كبيرة شهدتها صناعة الموسيقى خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى الإنتاج أو التسويق أو طبيعة المنافسة داخل السوق.

على سبيل المثال، أثارت خلال الأيام القليلة الماضية كلمات الملحن والمطرب نادر نور عبر صفحته الشخصية على “فيس بوك” تفاعلًا كبيرًا، بعدما تحدث عن محاولاته المستمرة للعودة إلى الوسط الغنائي خلال السنوات الثلاث الماضية، مؤكدًا أنه واجه صعوبات كبيرة في استعادة تواصله مع عدد من نجوم وصناع الموسيقى، رغم النجاحات التي جمعته بهم سابقًا، وأنه طرق جميع الأبواب بحثًا عن فرصة جديدة، لكنه شعر في أحيان كثيرة بعدم التجاوب أو التقبل، مؤكدًا أنه لا يسعى لكسب التعاطف بقدر ما أراد التعبير عن واقع يعيشه العديد من المبدعين داخل الوسط الفني.

هذه الشكاوى تزامنت مع تراجع الدور التقليدي لشركات الإنتاج، التي كانت في فترات سابقة تمثل بوابةً رئيسية لاكتشاف المواهب الجديدة وتقديمها للجمهور، وهو ما دفع الكثير من الشعراء والملحنين إلى الاعتماد على جهودهم الفردية من أجل الوصول إلى النجوم وإقناعهم بالاستماع إلى أعمالهم.

وتطرح هذه التطورات مجموعة من الأسئلة المهمة حول مستقبل المواهب الجديدة في صناعة الأغنية، ومدى قدرة السوق على استيعاب أجيال جديدة من المبدعين، خاصةً في ظل الاعتماد المتزايد على الأسماء التي تمتلك سجلًا ناجحًا وخبرةً كبيرةً في المجال.

“أخبار النجوم” تحدثت مع عدد من المهتمين بصناعة الموسيقى للوقوف على أسباب الأزمة الحالية وإمكانية إيجاد حلول تضمن استمرار تدفق المواهب الجديدة إلى الساحة الغنائية دون الإخلال بمتطلبات السوق وظروفه الاقتصادية المتغيرة.

ولكن قبل التطرق إلى آرائهم، ظهر تفاعل وردود أفعال من بعض الملحنين والشعراء مع الأزمة، ومنهم الملحن والمطرب رامي جمال، الذي أكد أن صناعة الموسيقى تشهد تغيرات كبيرة تفرض على العاملين بها البحث عن نماذج جديدة للإنتاج والتعاون، موجهًا رسالةً إلى الملحنين والشعراء والموزعين مفادها أن عصر شركات الإنتاج التقليدية لم يعد كما كان، وأن المنصات الرقمية فتحت المجال أمام فرص مختلفة يمكن استغلالها لدعم المواهب الجديدة وإعادة تقديم الأصوات المميزة للجمهور.

وأضاف أن عدد المطربين الموجودين على الساحة لا يتناسب مع حجم المواهب الفنية الموجودة في مصر، داعيًا صناع الموسيقى إلى تبني مشروعات مستقلة تقوم على الشراكة وتبادل المصالح، سواء من خلال تقديم أصوات جديدة أو التعاون مع فنانين ابتعدوا عن الأضواء خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن السوق الغنائي بحاجة إلى مزيد من الأصوات، ومشددًا على أهمية توظيف الخبرات والإمكانات الفنية لخدمة الصناعة وتوسيع قاعدة النجوم بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من المطربين.

كما تصاعدت الأزمة بعدما كتب المطرب رامي صبري عبر حسابه الشخصي على “إنستجرام”: “عدم الرد على ملحنين ومؤلفين أو مبدعين بشكل عام هو عدم التجديد، وإن مفيش أفكار مختلفة”، وهو ما عرضه للعديد من الانتقادات التي وصلت إلى حد اتهامه بمحاولة تقليد المطرب عمرو دياب، سواء في اختياراته الفنية أو إطلالاته المختلفة، وأنه بذلك لا يقدم جديدًا يضاف إلى أرشيف الساحة الغنائية.

أكثر تعقيدًا

وعن أسباب الظاهرة، يقول الملحن عمرو طنطاوي إن الحديث عن أزمة فرص العمل لصناع الأغاني لا يجب أن ينطلق من فكرة واحدة فقط، لأن المشهد أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه في الماضي. فصناعة الأغنية شهدت تغيرات كبيرة على مستوى الإنتاج والتسويق والإنفاق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على آليات اختيار الأغنيات والأشخاص الذين يقفون خلفها.

ويضيف طنطاوي أن المطرب أو المنتج أصبح أكثر حرصًا في اتخاذ قراراته الفنية بسبب ارتفاع حجم المسؤولية المالية المرتبطة بإنتاج أي عمل جديد، لذلك يميل كثيرون إلى التعاون مع أسماء سبق لها تحقيق نجاحات واضحة، لأن ذلك يمنحهم قدرًا أكبر من الاطمئنان ويقلل نسبة المخاطرة مقارنة بخوض تجارب جديدة بالكامل.

ويؤكد طنطاوي أن المواهب الجديدة موجودة بالفعل وتمتلك أفكارًا مختلفة ومميزة، لكن المشكلة تكمن في غياب القنوات المنظمة التي تسمح لهذه المواهب بعرض أعمالها بصورة احترافية، موضحًا أن الاعتماد على العلاقات الشخصية فقط لا يمكن أن يكون بديلًا عن وجود آليات واضحة تتيح للجميع فرصة عادلة للوصول إلى المطربين والمنتجين.

ويرى طنطاوي أن صناعة الموسيقى تحتاج إلى مبادرات أكثر تنظيمًا من خلال ورش العمل والمنصات المتخصصة التي تتيح اكتشاف المواهب الجديدة وتقديمها إلى السوق بشكل مهني، بما يضمن استمرار ضخ أفكار وأسماء جديدة قادرة على تطوير الأغنية العربية وإثراء المنافسة الفنية.

تراجع دور الإنتاج

من جانبه، يقول الناقد الموسيقي عبدالرحمن طاحون إن الأزمة الحالية ترتبط بدرجة كبيرة بالتغيرات التي شهدتها بنية الصناعة نفسها خلال السنوات الأخيرة، حيث تراجع الدور الذي كانت تقوم به شركات الإنتاج الكبرى في اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، وأصبح كثير من القرارات الفنية يعتمد على دوائر عمل محدودة مقارنة بما كان يحدث في الماضي.

ويضيف طاحون أن شركات الإنتاج كانت تمتلك في السابق إدارات متخصصة للاستماع إلى الأعمال الجديدة ومتابعة الشعراء والملحنين الشباب، وهو ما ساهم في ظهور أجيال كاملة من المبدعين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز الأسماء في الساحة الغنائية، أما اليوم فإن هذه المساحات أصبحت أقل اتساعًا، وهو ما خلق فجوة بين أصحاب المواهب والسوق.

ويؤكد طاحون أن التحول الرقمي منح الشعراء والملحنين فرصًا جديدة للتعريف بأعمالهم، لكنه في الوقت نفسه خلق منافسة شديدة بسبب الكم الهائل من المحتوى الذي يتم طرحه يوميًا، ولذلك أصبح لزامًا على الموهبة أن تمتلك أدوات إضافية تساعدها على تقديم نفسها بصورة احترافية حتى تستطيع لفت الانتباه وسط هذا الكم الكبير.

ويرى طاحون أن الحل لا يقتصر على عودة شركات الإنتاج إلى دورها التقليدي فقط، بل يشمل أيضًا إنشاء منصات ومهرجانات ومسابقات متخصصة تسمح باكتشاف العناصر الموهوبة وربطها بشكل مباشر بالمطربين والمنتجين وصناع القرار داخل المجال، بما يضمن تجدد الدماء داخل الصناعة بصورة مستمرة.

تحولات اقتصادية

أما الناقد الموسيقي أمجد جمال فيقول إن الأزمة ترتبط بصورة كبيرة بالتحولات الاقتصادية التي شهدتها صناعة الموسيقى خلال السنوات الأخيرة، خاصة أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق جعل الكثير من المطربين والمنتجين يبحثون عن الخيارات الأكثر أمانًا من الناحية التجارية، وهو ما انعكس على طبيعة الاختيارات الفنية داخل السوق.

ويضيف أمجد أن الاعتماد على الأسماء المضمونة لا يعني بالضرورة رفض المواهب الجديدة، وإنما يعكس رغبة في تقليل حجم المخاطرة في ظل المنافسة القوية والتغيرات السريعة التي يشهدها المجال الغنائي، خاصة مع تطور المنصات الرقمية واختلاف أساليب استهلاك الموسيقى لدى الجمهور.

ويشير إلى أن إعادة التوازن إلى السوق تتطلب تشجيع التعاون بين الأسماء الكبيرة والمواهب الجديدة، بحيث يحصل الشعراء والملحنون الشباب على فرص حقيقية للمشاركة في المشروعات الفنية الكبرى، كما أن الاستثمار في اكتشاف المواهب يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارًا طويل المدى يساهم في ضمان استمرار الصناعة وتجددها على المدى البعيد.

ويؤكد أمجد جمال أن أي صناعة إبداعية لا يمكن أن تستمر بالاعتماد على مجموعة محدودة من الأسماء فقط، لأن التطور الحقيقي يأتي دائمًا من خلال ضخ أفكار جديدة ورؤى مختلفة قادرة على مواكبة التغيرات التي يشهدها المجتمع والجمهور، وهو ما يجعل دعم المواهب الجديدة ضرورة فنية واقتصادية في الوقت نفسه.

كما أن التطور التكنولوجي أوجد فرصًا لم تكن متاحة من قبل أمام الشعراء والملحنين، حيث أصبح بالإمكان تقديم الأعمال للجمهور مباشرة عبر المنصات الرقمية دون انتظار الوسائل التقليدية، وهناك بعض المواهب استطاعت بالفعل لفت أنظار المطربين وشركات الإنتاج من خلال نجاحات حققتها بشكل مستقل.

خاصة أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا أكبر من المرونة في التفكير، فالمبدع لم يعد مطالبًا فقط بكتابة نص جيد أو لحن مميز، بل أصبح عليه البحث عن طرق مبتكرة لتقديم مشروعه الفني وإبراز شخصيته الإبداعية وسط المنافسة المتزايدة داخل سوق الموسيقى.

اقرأ  أيضا: نادر حمدي ينتقد تهميش الموزعين: نجاح الأغنية ليس كلام ولحن فقط

;