خرابيش

عصام عطية يكتب: الجرو الذي مات .. وماذا عن الطفل!؟

عصام عطية
عصام عطية


كنت أرفض الدخول فى معركة محبى الكلاب وكارهيها، لأن الأزمة الحقيقية أكبر من مجرد خلاف على إطعام حيوان فى الشارع أو منعه، لكن عندما يصل الأمر إلى أطفال يغرقون جروا صغيرا تحت إشراف وتصوير أشخاص بالغين، فالصمت يصبح مستحيلًا، لن أتحدث هنا عن الكلاب الضالة، بل عن الطفل الذى كان يتعلم.

الجرو مات وانتهى ألمه، لكن ماذا عن الطفل الذى شارك فى تعذيبه؟ ماذا تعلم من هذه اللحظة؟ تعلم أن الرحمة ضعف، وأن إيذاء الكائن الأضعف أمر عادي، وأن الألم يمكن أن يكون مادة للضحك والتصوير والتشجيع.

أنا لست طرفا فى هذا الصراع، لكننى أتفهم مخاوف المواطنين ومعاناتهم من انتشار الكلاب الضالة، كما أتفهم مشاعر من يطعمونها أو يحاولون حمايتها من الأذى، لذلك أتمسك بالحياد الكامل بين الأطراف المتنازعة، لكن حيادى لا يعنى الحياد تجاه الرحمة نفسها، أنا مع الرحمة التى أمرنا بها الله تجاه الإنسان والحيوان على السواء، وضد القسوة أيا كان مبررها، لأن الرحمة ليست وجهة نظر، بل قيمة إنسانية ودينية لا يجوز أن تغيب عن أى نقاش أو خلاف لا أدافع عن فوضى الشوارع، ولا أبرر إيذاء المواطنين، لكننى أرفض أن نواجه أزمة بالقسوة ونربى أبناءنا على العنف.

المؤسف أن النقاش لم يعد يدور حول كيفية إدارة أزمة الكلاب الضالة، بل انحرف أحيانا إلى جدل دينى سطحى يختزل القضية كلها فى مسألة «نجاسة الكلب»، فجأة تحول الحديث من حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة والرفق بالحيوان إلى معارك فقهية على مواقع التواصل، وكأن الاختلاف حول بعض الأحكام يبرر القسوة أوالتعذيب، والحقيقة أن مفهوم الرحمة بالحيوان حاضر بوضوح فى التراث الإسلامي، وأن الخلافات الفقهية لم تكن يوما دعوة لإيذاء المخلوقات أو التنكيل بها، فحتى من يرى نجاسة الكلب لا يرى أن تعذيبه مباح، ولا أن تجويعه أو قتله لمجرد وجوده فى الشارع أمر مقبول، المشكلة أن البعض يستخدم الدين لتبرير الغضب والكراهية، بينما جوهر الأديان كلها هو الرحمة، لا صناعة مزيد من القسوة فى المجتمع.

المطلوب تدخل حكومى عاجل وشامل لإدارة هذا الملف، بما يضمن حماية المواطنين من أى ضرر، وفى الوقت نفسه توفير الحد الأدنى من الرعاية للحيوانات الضالة. فهذه مسئولية دولة، وليست معركة يترك فيها الناس ليتصارعوا عبر الفيديوهات ومنشورات مواقع التواصل.