منذ أن حلت جماعة الإخوان الإرهابية على أرض مصر، وخرج من عباءتها المتأسلمون المتشددون، أضحت آفة هذه الأمة نصب المزادات الوهمية حول قضايا لا تمس جوهر الدين ولا مصالح الناس، فتشغل العقول بمعارك مصطنعة وتترك التحديات الحقيقية خلفها. كل عمل فني، وكل رواية، وكل فيلم، يتحول فى نظر هؤلاء إلى ساحة اتهامات جاهزة، تبدأ بالتشكيك وتنتهى بالتكفير.
آخر سابقة فى صحيفة سوابق هؤلاء المتطرفين الهجوم على فيلم «برشامة» الكوميدي، متهمين إياه بالتطاول على الإسلام وهدم الشريعة، وكأن المجتمع يقف أمام معركة عقائدية كبرى، وليس أمام عمل فنى بسيط يناقش إحدى الظواهر الاجتماعية السلبية التى تفشت فى مجتمعنا مؤخرا، وهى الغش الجماعى فى الامتحانات.
أتاحت لى إجازة عيد الأضحى مشاهدة الفيلم عبر إحدى المنصات عدة مرات، ولم أجد مشهدا واحدا يتعرض لعقائد، ولا يسخر من عبادات، ولا يقترب من ثوابت الدين مجرد عمل كوميدى اجتماعى يسلط الضوء على آفة الغش فى الامتحانات، وهى مشكلة يعرفها الجميع، خصوصا فى بعض المدن والقرى التى تحولت فيها مساعدة الأبناء فى الامتحانات إلى سلوك يهدد قيمة التعليم ويهدر مبدأ تكافؤ الفرص.
الفيلم يستخدم السخرية والكوميديا لكشف هذا الخلل، وهى وظيفة أصيلة للفن، فالكوميديا ليست جريمة، والضحك ليس اعتداء على الدين، والنقد الاجتماعى ليس حربا على الشريعة. بل إن مواجهة الأخطاء المجتمعية بأسلوب ساخر يرسم الابتسامة على الشفاه قد يكون أكثر تأثيرا من آلاف الخطب والمحاضرات.
المشكلة الحقيقية ليست فى فيلم كوميدي، بل فى عقول ظلامية تبحث دائما عن معارك وهمية. فبدلا من مناقشة قضية الغش ذاتها، يجرى تحويل الأنظار إلى اتهامات باطلة تثير الجدل وتستنزف طاقة المجتمع فى توافه الأمور.
آن الأوان للتمييز بين الدين بوصفه قيمة روحية وأخلاقية عظيمة، وبين محاولات البعض احتكار الحديث باسمه. فليس كل نقد اجتماعى عداء للدين، وليس كل ضحكة مؤامرة على العقيدة.
«برشامة» الذى أرعب المتطرفين يبقى عملا كوميديا يناقش ظاهرة اجتماعية تستحق النقاش، بينما تبقى الاتهامات المتعجلة مجرد محاولة جديدة لصناعة ضجيج أكبر من القضية نفسها. فالأمم تتقدم عندما تواجه مشكلاتها الحقيقية، لا عندما تنشغل بمطاردة الأوهام والتوافه.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







