فى السنوات الأخيرة أصبح التوجه نحو تعظيم الاستفادة من الموارد الزراعية أحد المحاور الأساسية فى خطط التنمية المصرية، خاصة مع التوسع الكبير فى المشروعات الزراعية القومية بالصحراء وزراعة ملايين من أشجار النخيل التى لم تعد مجرد رمز للخير والبركة، بل أصبحت اليوم مشروعًا اقتصاديًا متكاملاً تتشابك فيه الزراعة مع الصناعة والبحث العلمي.

من هذا المنطلق برزت فكرة الاستفادة من النخيل بكامل مكوناته، من الثمار حتى الجريد والليف، إلى جانب تقليل نسبة الهدر فى الخامات الخاصة به عبر إنشاء صناعات جديدة قادرة على دعم الاقتصاد الوطنى وفتح آفاق تصديرية واعدة.
ويصل إنتاج مصر من التمور حاليًا إلى مليونى طن سنويًا من إجمالى 24 مليون نخلة على مستوى الجمهورية، منها 20 مليون نخلة مثمرة. كما أن الواحات والجنوب المصرى يمثلان القلب النابض لزراعة النخيل، حيث تضم محافظة الوادى الجديد وحدها 4.8 مليون نخلة، إلى جانب أسوان ومزرعة توشكى العملاقة، وكذلك الواحات البحرية وسيوة والمنيا والشرقية والبحيرة، وفقًا للدكتور عز الدين العباسى مدير المعمل المركزى للأبحاث وتطوير النخيل بمركز البحوث الزراعية بوزارة الزراعة.
ويُبرز تنوع المناخ المصرى أهمية تنوع الأصناف؛ ففى الوجه البحرى تنتشر الأصناف الرطبة مثل اليمانى والزغلول والأمهات وبنت عيشة، بينما تشتهر مناطق مصر الوسطى بأصناف السيوى والعامرى والعجلاني، وتزدهر فى جنوب مصر الأصناف الجافة مثل السماوى والبرتمودا والملاكبي.
كنز صناعى

ويؤكـد العباســى أن مخلفــات النخـيل فـى مصــر تصل إلى نحو 700 ألف طن سنويًا، ناتجة عن عمليات التقليم والخف، ويقول إن التخلص من هذه المخلفات بالحرق كان يسبب تلوثًا بيئيًا خطيرًا، لكن الجهود البحثية الحديثة فتحت الباب أمام طرق مبتكرة للاستفادة منها، منها تحويل المخلفات إلى سماد عضوى (كمبوست) يُستخدم لتغذية النخيل نفسه، وإنتاج االسيلاجب كعلف للحيوانات، وخلط نوى التمر مع مكونات أخرى لإنتاج أعلاف متكاملة.
كما تشمل الاستخدامات استخلاص ألياف السليلوز من الأوراق لصناعة الورق والمنتجات الورقية، وتحويل الأخشاب الناتجة من الجريد إلى ألواح خشبية صناعية مثل MDF (الخشب الليفى متوسط الكثافة) وHDF (عالى الكثافة)، ويجرى حاليًا بحث إمكانية استخلاص الفحم النشط من مخلفات النخيل لما له من قيمة صناعية وطبية عالية.
ويشير العباسى إلى أنه جارٍ الانتهاء من زراعة نحو 2.5 مليون نخلة جديدة فى مشروع توشكى العملاق، ما يعنى إنتاج كميات ضخمة من المخلفات القابلة للتدوير. ويقول: احين يدخل هذا النخيل مرحلة الإنتاج، ستكون كمية المخلفات الناتجة عن التقليم والليف ضخمة للغاية، وهو ما يمثل فرصة لإنشاء مصنع متكامل لإنتاج ألواح الأخشاب ذات الاستخدامات المتعددةب.
ويشرح مراحل التصنيع: ايتم أولًا فرم الأخشاب وغربلتها، ثم إضافة المواد اللاصقة والكيماوية، وبعدها تُضغط داخل قوالب خاصة تحت قوة ضغط عالية لتخرج فى صورة ألواح خشبية متينة قابلة للاستخدام فى الأثاث والأرضيات والأبوابب.
الفيبر بورد

فيما يرى الدكتور عبدالباسط الجيلاني، مدير عام البحوث والتطوير بشركة نجع حمادى للفيبر بورد، أن صناعة الألواح الخشبية الليفية من المخلفات الزراعية التى تشمل بقايا تقليم النخيل تعد من أهم الصناعات المستدامة فى العالم، وقد بدأت فى الستينيات فى الولايات المتحدة، ثم انتشرت فى أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا فى الثمانينيات.
ويقول إن هناك حاليًا أكثر من 3000 مصنع لهذه الألواح حول العالم، بينما تستورد مصر سنويًا أكثر من مليون متر مكعب من منتجات الفيبر بورد بمختلف أنواعها من دول أوروبية وآسيوية.
وألواح الفيبر بوردتهى ألواح خشبية ليفية يتم تصنيعها من ألياف الأشجار فى الغابات الطبيعية ومعالجتها بمواد لاصقة صناعيةتفى خطوط الإنتاج، حيث يتم إنتاجها بأحجام مختلفة بسمك يتراوح بين 2 إلى 40 ملليمتر.
ويوضح أن منتجات خشبتالفيبر بوردت تدخل فى العديد من الصناعات مثل صناعات الأثاث، كما أنها تُستخدم كبديل أنواع الأخشاب الطبيعية مثل الزان والموسكى والكونتر، نظرًا لمتانتها وانخفاض تكلفتها.
شراكة بحثية ناجحة
وتُعد شركة نجع حمادى للفيبر بورد نموذجًا وطنيًا رائدًا فى صناعة الأخشاب، إذ تعتمد بالكامل على الخامات المحلية مثل ألياف النخيل وقصب السكر وسيقان الذرة ونواتج تقليم الحمضيات عوضًا عن الاستيراد، ما يجعلها منتجات صديقة للبيئة ومستدامة، كما يؤكدت المحاسب حلمى زايد، العضو المنتدب والرئيس التنفيذى لشركة نجع حمادى للفيبر بورد.
وأجرت الشركة دراسات وتجارب بحثية متقدمة بالتعاون مع المركز القومى للبحوث وجامعة جنوب الوادى وجامعة عين شمس، لبحث جدوى استخدام مخلفات النخيل فى صناعة الألواح الخشبية.
وفى 15 يونيو 2023، تم تنفيذ تجارب صناعية ناجحة باستخدام جريد النخيل، وأثبتت النتائج إمكانية إنتاج ألواح فيبر بورد عالية الجودة تضاهى المستورد، لتصبح التجربة المصرية الأولى من نوعها عالميًا.
كما يوضحتأن استغلال مخلفات النخيل فى إنتاج ألواح الفيبر بورد يمثل مشروعًا قوميًا متكاملًا، لأنه يعالج أكثر من مشكلة فى آن واحد، فهو من ناحية يحل أزمة نقص الخامات السليلوزية اللازمة لصناعة الأخشاب فى مصر، ومن ناحية أخرى يسهم فى الحد من الحرائق والتلوث وانتشار الآفات الناتجة عن تراكم المخلفات فى المزارع، كما يدعم مفهوم الاقتصاد الذى يقوم على تدوير الموارد بدلًا من إهدارها، ويتماشى مع توجه الدولة نحو التوسع فى زراعة النخيل وتعظيم القيمة المضافة له.
اقرأ أيضا: زراعة قنا تطلق حملة مكبرة لمكافحة سوسة النخيل بأحدث أجهزة الحقن
بعد تحقيقه 213 مليون جنيه.. أزمة «برشامة» تشعل البرلمان
بحجة «موافقة الوزارة».. زيادات كبيرة بمصروفات المدارس الخاصة
السيد زعبوط: أسعى لمحاربة الأورام بإعادة برمجة المناعة







